من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٣ - لا تتولوا قوما غضب الله عليهم
إلى الإسلام الحقيقي الدائم، وإنما المقاطعة التي تكشف عن العزة الإسلامية وسيلة لفرض الإسلام.
الثانية: أما كيف يتحول عداء الكفار إلى مودة للمؤمنين، فإن الإنسان حينما ينبهر بقوة قاهرة يشعر بالود تجاهها، حتى لقد ثبت في علم النفس الاجتماعي أن الشعوب المغلوبة تود القوى القاهرة، وتقلدها في الأفكار والسلوكات في الغالب، وحيث كانت القوة في بادئ الأمر للكافر كان يخشى أن يميل المؤمنون إليهم بالمودة ميلا، وبالذات لأن فيهم الأرحام والأقارب، أما إذا تحول ميزان القوى لصالح المسلمين بالغلبة والقوة فإن المودة ترتجى أن تكون من قبل الكفار لهم، ولعل التعبير ب- مِنْهُمْ يشير إلى ذلك.
و عَسَى هنا تفيد الرجاء القريب، مما يحيي روح الأمل بالله في النفوس المؤمنة، ويلاحظ أن القرآن يعبر ب- (عسى) و (لعل) في مواضع كثيرة، دون أن يقطع ويحتم، مع أن كثيرا من الأمور هي واقعة في علم الله، وذلك يهدينا إلى أن الطبيعة ليست جامدة، وإنما تخضع لأمرين
١- المشيئة الإلهية.
٢- إرادة الإنسان.
ولم يحتم ربنا نصر المؤمنين، وتحوُّل ميزان القوى لصالحهم في المستقبل حتى لا يتواكلوا، أو ينتظروا الإرادة الإلهية تغير الأمور بوحدها.
وَاللَّهُ قَدِيرٌ على صنع ذلك فيستسلم المشركون لأوليائه أو يهديهم إلى الإسلام، فتعود المودة بين الفريقين وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ومن غريب ما قاله المفسرون في هذه الآية هو تأويلهم لها في أبي سفيان، بأنه من المعنيين بقوله تعالى* عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ، مع أن الآيات نزلت قبل فتح مكة، قبل أن ينطق أبو سفيان بالشهادتين فكيف أصبح مصداقا للآية؟!.
[٨] ويحدد لنا القرآن الموقف المطلوب تجاه المسالمين من الكفار- الذين لا يحاربوننا ولا يؤذوننا- حيث يبيح التعامل معهم إنسانيًّا على أساس البر والقسط، فيقول لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ لأنهم مسالمون، ويجمع المسلمين معهم إطار الإنسانية، وهذا يعني أن الإسلام دين السلام، فهو لا ينشد الحروب والعداوات بذاته، إنما دعوته للتبري والمقاتلة تكون موجهة ضد الكفار المحاربين، وقائمة على