من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٠ - لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء
كَفَرُوا أي موضع ابتلائك لهم، كناية عن أذاهم للمؤمنين، فإنهم إذا تمكن الكفار منهم عذبوهم، وأظهروا تجاههم عداوتهم للحق، كما صنع الظلمة بأصحاب الأخدود.
وتبقى نفوس الصالحين توَّاقة إلى التوبة وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وهذا الوله إلى التوبة ينطلق من شعورهم بالتقصير في جانب الله عز وجل، وعدم بلوغهم حد الإشباع في التسليم له. ومن الناحية الواقعية لا يضمن المؤمن عدم الوقوع في الأخطاء مئة بالمئة، لذلك يجعل التوبة ذريعة لتصحيحها واتقاء سلبياتها.
أما نهاية الآية فهي غاية في أدب الدعاء حيث لا يصح أن يحتم الداعي على ربه ما يريد، إنما يدع الإجابة رهن مشيئته، فإن شاء استجاب لهم بعزته، وإن شاء لم يستجب لهم بحكمته، فإنه قادر على نصرة المؤمنين ومنع الكافرين عن أذاهم بعزته، كما أنه قد يجعلهم فتنة للكافرين بحكمته. وليس من تناقض بين حكمة الله وعزته. والمؤمن الحقيقي هو الذي يسلِّم مصيره لربه مهما كان قضاؤه.
[٦] وفي خاتمة الدرس يؤكد القرآن دعوته للاقتداء بإبراهيم عليه السلام والمؤمنين معه، ليكشف لنا أهمية التبري من المشركين، وضرورة الأسوة في مسيرة الإنسان المؤمن.
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فليس المهم أن يختار الواحد أسوة في الحياة وحسب، بل الأهم أن ينتقي أحسن الأسوات وسنامها ليقتدي بها، وإبراهيم والمؤمنون معه خير أسوة لمن أراد البراءة الحقيقية من أعداء الله، ولكن دون التأسي بهم ألوان التحديات والمصاعب التي تحتاج مقاومتها إلى الإرادة الصلبة والاستقامة، وكل ذلك يستمده المؤمن من إيمانه بربه وبالجزاء لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ ناصراً يتوكَّل عليه، ووليًّا يُنيب إليه، وَالْيَوْمَ الآخِرَ حيث يلقاه وعنده يجد رضاه وما يرضيه من الجزاء والثواب، وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُ لا يحتاج إليه، الْحَمِيدُ، وفي الآية إنذار مبطن لمن يتولى بأنه الذي يخسر، وليس الله سبحانه.
وكلمة أخيرة: إن صراع إبراهيم مع عمه آزر- والذي يشير إليه الوحي في بعض السور- لم يكن صراعاً شخصيًّا بين الأجيال، إنما كان صراع المبادئ، لذلك نجد أنه عليه السلام كان يودُّ بحلمه وقلبه الواسع لو يرى عمه مؤمنا، وهذه من اللقطات الحساسة في حياة الأنبياء عليهم السلام.