من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢ - إن هو إلا وحي يوحى
سائر الأنبياء، ولكن ذلك لم يُصيِره إلهاً، بل تدلى، وذلك يعني أنه أرفع من الخلق، وأدنى من الخالق.
بينات من الآيات
[١] وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى قد يكون القرآن يقصد هنا نجما معينا أخبر المسلمين بسقوطه في المستقبل، كما تشير الروايات إلى ذلك، ولكننا بالنظر إلى الظاهر وإلى الهدف من وراء هذا القَسَم نستطيع اعتباره شاملا لكل نجم، وإنما عرف الله المقسم به ب- (أل) لأنه أبلغ من التنكير في القسم كما قيل، ولكن لماذا يُقسم القرآن بالنجم حين يهوي؟.
أولًا: ربما لأن الكثير من الناس كانوا يعتقدون بأن النجوم ثابتة لا تتغير، وقد اتخذها بعضهم آلهة من دون الله، وسقوطها أبطل هذا الاعتقاد الضال.
ثانياً: قد لا يكون المقصود من الهوي السقوط والانتشار، كما في قوله تعالى وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ [التكوير: ٢]، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ [الانفطار: ٢]، بوصفها علامة ليوم القيامة، وإنما الميل إلى طرف من الأفق، الأمر الذي يجعله أفضل هداية وتعريفا للإنسان بالطريق.
[٢] وكما أن النجم رمز للهداية فإن الرسول صلى الله عليه واله هو عَلَم رفيع لهداية البشرية، كما قال الإمام علي عليه السلام
«أَلَا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه واله كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ»
[١]، ولكن الرسول صلى الله عليه واله يختلف عن النجم في أن دلالته وهدايته للناس تبقى قائمة في رسالته وسيرته حتى بعد موته، أما النجم فإن دلالته تنتهي بهويه، كما يقول الإمام علي عليه السلام
«أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صلى الله عليه واله إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا ولَيْسَ بِمَيِّتٍ ويَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا ولَيْسَ بِبَالٍ»
[٢]، وأولى بالعقل أن يتبع هدى الرسول الذي يتبع الحق، ولا يكذب أهله، لا أن يتبع ظنون نفسه، ولا تخرصات الكهنة والمنجمين.
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى الضلالة هي الانحراف عن أصل الطريق، في حين أن الغواية- حسب ما يبدوهي الانحراف عن سواء الطريق، فقد يضل الواحد طريقه إلى مدينة شرقية فيتجه غربا، وقد يغوي عنها فلا يتجه إليها عبر خط مستقيم .. ولم يضل النبي طريقه نحو الله فيختار- حاشاه- طريقا آخر، كما لم يتنكب عن الخط المستقيم ولا شيئا قليلا، فلم يكن كأبينا آدم عليه السلام الذي قال عنه ربنا وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه: ١٢١]
[١] بحار الأنوار: ج ٢٣، ص ٤٤.
[٢] نهج البلاغة: خطبة: ٨٧.