من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٩ - لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء
الثاني: التفسير الذي نختاره حيث نعتبر اللقطة مما يتأسى به في حياة إبراهيم عليه السلام ولكن الوحي استثنى لإلفات الأنظار إلى هذه اللقطة وعلاجها، بالذات وأن فهمها الخاطئ قد يجر المؤمنين إلى سلوكات خاطئة في علاقتهم مع أعداء الله، كأن تكون مبررا لموادة الأرحام منهم وموالاتهم، فإن إبراهيم عليه السلام حينما وعد عمه آزر بالاستغفار واستغفر له لم يكن قد أظهر عداوته لله، إنما كان ظاهره الشرك الموروث، أو العداء الشخصي الموجه ضد إبراهيم نفسه، أو لعل آزر كان في بيئة الحنفية كما هي أسرة إبراهيم عليه السلام ولكنه انهار أمام ضغط المجتمع، وصار إلى الشرك شيئا فشيئا حتى تمحض في الضلال عن الحق والعداء لله ولإبراهيم عليه السلام، وإلا فالاستغفار للمشركين محظور حتى على الأنبياء، قال تعالى مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: ١١٣- ١١٤].
من هذه الآية يظهر أن الاستغفار له قبل أن يتبين موقفه النهائي جائز، ويتأول إلى طلب هدايته، كما كان الرسول صلى الله عليه واله يطلبها لقومه بقوله
«اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»
[١]، أما إذا تبين موقف المشرك وأنه قد أصبح من أصحاب النار بجحوده وإنكاره فإن الواجب يومئذ البراءة منه بصراحة.
كما أن الاستغفار ليس بمعنى التحتيم على الله سبحانه حيث قال إبراهيم عليه السلام وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ولم يكن إبراهيم عليه السلام والذين معه أقوياء وأشداء، حتى لا تكون البراءة بالنسبة إليهم تحدِّياً صعباً، إنما كانوا في غاية الضعف ماديًّا، ولذلك جأروا إلى الله في لحظة البراءة، وأساسا الدعاء الحقيقي إنما ينطلق من الإنسان عند الإحساس العميق بالحاجة إلى العون رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا والإنابة هي الرجوع والاستغفار، وفي هذه الكلمة إشارة إلى أن المؤمنين لا يتركون الضلال والمجتمع الفاسد إلى الفراغ، إنما إلى بديل إيجابي هو الهدى وتجمع المؤمنين، فإن إبراهيم والذين معه تبرؤوا من قومهم المشركين ليرجعوا إلى ربهم، وذلك يوحي بأن الذي يهجر مجتمعا منحرفا بحاجة إلى التطهر بالتوبة إلى ربه، والرجوع إلى صراطه المستقيم، ونهجه القويم في الحياة ..
وبعد التوكل على الله والعودة إليه يجب على المؤمن أن يكمل ذلك بالتسليم المطلق لإرادته، والقبول بما يرضاه له وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.
[٥] ولكن لا يعني ذلك ألَّا يسأل المؤمنون ربهم السلامة رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ
[١] بحار الأنوار: ج ١١، ص ٢٩٨.