من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٥ - له الأسماء الحسنى
الإيمان، وفي الآية تحريض إلى كل مؤمن بأن يُنمِّي إيمانه ليصل به إلى درجة التقوى لأن الإنسان بحاجة إلى درجة رفيعة من الإيمان ليواجه بها الضغوط والتحديات الشيطانية، فحتى المؤمن قد ينحرف عن الصراط المستقيم خشية الطاغوت أو الآباء أو المجتمع، ويمكن القول بأن التقوى هي: التحصن دون أسباب عذابه وسخطه، أو الحرمان من رحمته، والتعرض لعقابه، مما تتسع الكلمة للعمل بالواجب والمندوب وترك المحرم والمكروه.
وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ بلى؛ إن الشيطان وهوى النفس يدعوان الإنسان إلى المزيد من التركيز في حاضر الدنيا، والاسترسال في لذات العيش من دون حدود أو قيود، وعلى المؤمنين أن يقاوموا ذلك بالتفكير في مستقبل الآخرة الذي يرتكز على سعيهم في الدنيا، وما على الإنسان الذي يريد أن يعرف مستقبله إلا مراجعة حساباته، والنظر في أعماله، وضرورة هذه المحاسبة تنطلق من أننا نستطيع التغيير والاستزادة ما دمنا نعيش فرصة الحياة الدنيا، أما بعد الموت فلا تجدينا التوبة شيئا. وما أحوج الإنسان إلى النقد الذاتي البنَّاء للمستقبل، فإنه في عرصة القيامة حيث المحاسبات الحاسمة يحتاج إلى أقل من مثقال الذرة من أعمال الخير، فقد قال رسول الله صلى الله عليه واله
«تَصَدَّقُوا ولَوْ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ولَوْ بِبَعْضِ صَاعٍ ولَوْ بِقَبْضَةٍ ولَوْ بِبَعْضِ قَبْضَةٍ ولَوْ بِتَمْرَةٍ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ لَيِّنَةٍ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَاقٍ اللهَ فَقَائِلٌ لَهُ: أَلَمْ أَفْعَلْ بِكَ أَلَمْ أَجْعَلْكَ سَمِيعاً بَصِيراً؟ أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالًا ووَلَداً؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى: فَانْظُرْ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ، قَالَ: فَيَنْظُرُ قُدَّامَهُ وخَلْفَهُ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَجِدُ شَيْئاً يَقِي بِهِ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ» [١].
وكما يجب على الإنسان النظر إلى ما يقدمه إلى مستقبله الأخروي، فإنه مسؤول عن النظر إلى ما يقدمه لمستقبله الدنيوي أيضا (مفردا أو جماعة أو جيلا) ومن الخطأ أن يعيش لحظته الراهنة بمعزل عن المستقبل وأخطاره، لأن هذه اللحظة جزء من المستقبل، ولأنه والجيل الحاضر رقم في مسيرة الآتين شاء ذلك أم أبى.
ولكيلا يُقيِّم البشر ما يقدمه للمستقبل من بُعْد الكم وحسب، يدعونا القرآن لتركيز التقوى التي تأتي من الإحساس بالرقابة الإلهية، فإن الذي يشعر بمعاينة الخالق له، وخبرته بسعيه لا شك سوف لن يكتفي بالكم بل سيجتهد بإحراز النوع المرضي عنده عز وجل، وذلك بالإخلاص في النية والإتقان في العمل وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ولك أن تتصور فاعلية الإنسان وسعيه (كمًّا ونوعاً) وهو يتحرك بشعور الحضور تحت رقابة رب العمل والحساب والجزاء. إنه سيجتهد حقاً لإحراز مرضاته، وبلوغ ثوابه، وتجنب غضبه.
[١] الكافي: ج ٤، ص ٤.