من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩١ - ويؤثرون على أنفسهم
الذي يبدأ من القلوب المتشتتة. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ أي لأنهم لا يتبعون هدى العقل وإلا لتوحدوا، لأن الحقائق التي تهدي إليها العقول السليمة المجردة واحدة في كل زمان ومكان ولدى كل الناس، وقد اتبعوا الباطل الذي لا يتفق معه الناس، فتفرقوا وتشتتوا، ولو كانوا يتبعون العقل لقادهم إلى الحق الواحد.
[١٥] وهذه المسيرة التي لا تقوم على التفقه والتعقل لا ريب أنها ستقودهم إلى المصير السيئ في الدارين كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ في الدنيا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الآخرة. وقد يكون المعنى: أن أولئك لقوا جزاءهم، ولهؤلاء أيضا عذاب أليم مثلهم، والوبال هو سوء العاقبة. وقيل في الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: إنهم عموم أعداء الحق، وقيل: هم المشركون الذين هزمهم الرسول في بدر، وقيل: هم بنو قينقاع، وهو الأقرب والأشهر بين المفسرين، وهم أول فريق من اليهود نقضوا عهدهم مع الرسول صلى الله عليه واله وأرادوا حربه حسدا من عند أنفسهم، لما يرونه من تعاظم قوته وقد تخوفوا على مصالحهم ومواقعهم في المدينة بعد غزوة بدر. وقد نصحهم صلى الله عليه واله بأن يتركوا ذلك، ولكنهم أصروا وقالوا: لسنا مثل قومك العرب الجبناء، الذين هزمتهم في بدر إنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، والله لوحاربناك لتعلم أنا نحن الناس. فاستعدوا للحرب، فأخذوا يتهرجون متحرشين بالمسلمين وكانت الشرارة التي أشعلت نار الحرب قصة اعتداء على أمرأة مسلمة: [حيث إن امرأة من المسلمين ذهبت لصائغ منهم تشتري منه ذهبا، فاجتمع اليهود عليها وأصروا أن تكشف عن وجهها لهم فلم تفعل- مما يدل على اشتهار الحجاب أيام الرسول بحيث كان يستر الوجه- فبادر الصائغ بشد ثوبها الذي عليها، بحيث ينكشف بعض بدنها للحاضرين، وكان اليهود يتضاحكون كلما بدا طرف من جسدها.
وفي الأثناء التفت رجل من المسلمين للأمر فأخذته الغيرة للحق فقتل الصائغ لما فعله، ولكن اليهود الجالسين معه اجتمعوا عليه وقتلوه، فثار المسلمون جميعا، وقرر الرسول الأعظم صلى الله عليه واله أن يحاربهم، فحاصر حصونهم وقراهم، وأمرهم بالجلاء فما وجدوا بُدًّا من التسليم لأمره، ورحلوا عن المدينة إلى الشام] [١].
هكذا كانت حساسية المسلمين تجاه الظلم وإلى هذا الحد، بحيث يجهِّزون الجيوش، ويجلون قوما بأجمعهم لأنهم هتكوا عرض امرأة مسلمة وحرمتها، ولا أدري أين هم الآن؟!.
[١٦] ويضرب القرآن لنا مثلا عن علاقة المنافقين بالكفار من أهل الكتاب والتي هي
[١] راجع البداية والنهاية: لأبن كثير: ج ٤، ص ٥.