من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٧ - ويؤثرون على أنفسهم
لمجرد كونه من الأولين، الذين أدركوا الرسول والخلفاء، أو عاشوا في صدر الإسلام.
٣- أما الفريق الثالث فهم الذين يقيِّمون السابقين بواقعية، ويعرضون أفكارهم ومواقفهم على موازين الشرع (القرآن والسنة والسيرة المعصومة) فما وافقها احترموه وتأسوا به، وما خالفها ضربوا به عرض الحائط، وهم الذين تشير إليهم هذه الآية الكريمة. كيف؟
إنهم- حسب الآية- يعترفون بأخطاء السابقين، ويتبعون القيم بإخلاص وشجاعة، سواءً وافقت حياة أولئك أم خالفتها، ولكن النقد والانتقاد لا يسقطهم في أعينهم، بل يظلون أصحاب الفضل عليهم، الذين يكنُّون لهم الود والاحترام.
وفي الوقت الذي يعترفون بأخطاء السلف، ولا يتابعونهم فيها، يسعون بكل ما أوتوا (بالدعاء والعمل) لإصلاح أخطائهم في الواقع الخارجي، ويستغفرون لهم عند الله، وإنه سبحانه ليستجيب دعاء الأخ لأخيه، فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال
«أَسْرَعُ الدُّعَاءِ نُجْحاً لِلْإِجَابَةِ دُعَاءُ الأَخِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ، يَبْدَأُ بِالدُّعَاءِ لِأَخِيهِ فَيَقُولُ لَهُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ: آمِينَ ولَكَ مِثْلَاهُ» [١].
والآية الكريمة من خير دعاء المؤمنين لإخوانهم سواءً السابقين أو المعاصرين والأنداد. وإن المؤمن الصادق هو الذي تتجلى له الأخوة بلحاظ الإيمان أعمق من تجليها بلحاظ النسب، فأخوه كل مؤمن وأخته كل مؤمنة، مهما اختلف اللون واللسان والحسب، ومهما اختلفت المسافة الزمنية والمكانية بينهما أو اختلفت الطبقات. وهو لا ينظر إلى نفسه فرداً، إنما بوصفه جزءاً من أمة بكاملها، بتاريخها وحاضرها ومستقبلها فيدعو لنفسه ولها على السواء، ويسعى لتحقيق أهدافه، كما يساهم في تحقيق أهداف إخوانه، ويسعى نحو تطهير نفسه من رواسب الحقد والحسد والشحناء تجاه إخوته في الدين.
وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا من حقد أو حسد أو أي أمر يدفع الإنسان إلى معاداة إخوانه، وهذا من أهم الطموحات التي يسعى المؤمنون نحوها متوكلين على الله، لأن الخروج من شح النفس الفردية، والتخلص من الأغلال تجاه الآخرين من الأمور الصعبة التي تحتاج إلى توفيق إلهي، وإرادة قوية، ولذا فهو عنوان بلوغ الإنسان درجة رفيعة من الإيمان، والمؤمنون يدركون ذلك ويعلمون أن بلوغهم درجة التخلص من الأغلال تجاه إخوانهم دليل رأفة الله ورحمته بهم، ولذلك يثنون عليه في دعائهم فيقولون رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وهذان الاسمان لله يتجليان في سلوك المؤمنين عبر تعاملهم مع بعضهم، وهم يسألون ربهم
[١] بحار الأنوار: ج، ص ٣٨٧.