من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٦ - ويؤثرون على أنفسهم
مَا سَمِعْتُكَ تَدْعُو بِغَيْرِ هَذَا فَقَالَ
وأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِنْ شُحِّ النَّفْسِ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] [١].
[١٠] تلك كانت العلاقة النموذجية التي ينبغي أن يتحلى بها السابقون تجاه اللاحقين، وقد جعل الله الأنصار الصادقين مثلا لها، فما هي العلاقة من طرفها الآخر (اللاحقين بالسابقين)؟ يضع القرآن أمامنا قواعدها الرئيسية ونموذجها من حياة المهاجرين المخلصين.
وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ المهاجرون بعد الأنصار في المدينة، والمهاجرون إلى إخوانهم المنتصرين في أي بلد، واللاحقون من الأجيال في الحركة الرسالية، فإنهم يحترمون أولئك، ويعون قيمة دورهم الريادي، وانعكاسه الإيجابي عليهم، ويريدون لهم الخير كما يريدونه لأنفسهم يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ فهم لا ينسون جميل السابقين إليهم، وتلك الجهود والتضحيات التي بذلوها لصالحهم، ويقدرون بالذات سبقهم إلى الانتصار، وتأسيسهم دار الإسلام (دولته) مما يتيح لهم الهجرة إليهم، والتحرك بفاعلية أفضل وأوسع، وسبقهم إلى الإيمان الذي تأسس به إيمانهم، وعلاقتهم بهم تتأسس على نظرة الاحترام والحب والتقدير.
وللآية بصيرة هامة تبين موقف التقييم السليم من قبل الأجيال اللاحقة تجاه الأجيال السابقة، فهناك ثلاث نظريات تستتبع ثلاثة مواقف متباينة
١- الذين اعتبروا السابقين متخلفين وسبباً لتخلف اللاحقين، ووقفوا منهم موقفاً سلبيًّا للغاية، وسمَّوهم رجعيين، ودعوا إلى بناء الواقع والمستقبل من جديد على أنقاض الماضي، ويمثل هؤلاء اليوم في المسلمين المتغربون والسلبيون الذين أصيبوا بردات فعل تجاه الواقع الذين نشؤوا فيه، وبلغ الأمر ببعضهم أن اتهموا دين الإسلام ذاته لأنهم رأوا بعض السلبيات فيمن اعتنقه من آبائهم، كما قال تعالى وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين [الأحقاف: ١٧].
٢- وهناك فريق آخر وقفوا موقف القبول المطلق وهم يرددون إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٣]، فهم يقدسون التراث إلى حد العبادة، ونجد صورة لهذا الفريق في الذائبين في السلف وأفكارهم، يرحبون بحسناتهم وسيئاتهم على السواء، ولا يقبلون أدنى انتقاد لسلوكهم وأفكارهم ومواقفهم، ويعدُّون الشخص ذا فضل وعظمة
[١] مستدرك الوسائل: ج ٧، ص ٣٠، تفسير القمي: ج ٢ ص ٣٧٢.