من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٠ - ويؤثرون على أنفسهم
دارهم وهم الذين جعلوها داراً للإسلام.
فها هنا تقديم وتأخير. ولكن هذا يخالف الظاهر، ولا مانع من نسبة التبؤ للإيمان كما مرّ أي أتخذوه موطناً.
ويبدو لي أن المعنى أنهم تبوؤوا دار الإيمان، فيكون معنى الدار التقارن كما لو قلنا: ركبت البحر والريح الهائجة، أي مقارنا مع هيجان الريح.
وقد اشتهر في الأدب الإسلامي التعبير بدار الإسلام، ولعله مستوحى من هذه الآية. فقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام
«وَالإِيمَانُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ وهُوَ دَارٌ، وكَذَلِكَ الإِسْلَامُ دَارٌ والكُفْرُ دَارٌ»
[١]. فيكون المعنى أنهم- الأنصار- الأسبق إلى تكوين التجمع الإيماني المتكامل الذي يصدق أن دار- دولة- الإسلام. فعلى هذا القبلية هنا بلحاظ دار الإيمان. حيث أن بعد بيعة العقبة تشكلت نواة الدولة الإسلامية وبعد ذلك هاجر المهاجرون إليها.
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ونستوحي من الآية أنه إذا انتصر المؤمنون في بلد، وكوَّنوا المجتمع الإسلامي فلا يعني أن الذين في تلك البلاد من المسلمين أفضل من غيرهم، ولا يجوز أن يستأثروا بالمكاسب، أو يفرضوا وصايتهم على غيرهم، كلا .. فكل ما عند المؤمنين حتى أنفسهم ملك للإسلام ولأهله، الذين هم إخوانهم، وينبغي لهم ألَّا يأخذهم غرور الانتصار، أو العجب بالنفس، بل يفعلون كما فعل الأنصار، فلقد بلغ بهم الإيمان والحب لإخوانهم أن آثروهم على أنفسهم، لأنهم انتموا للإسلام ابتغاء فضل الله ورضوانه وليس بحثا عن المكاسب المادية، ولأنهم يقدرون ظروف إخوانهم المهاجرين، حيث ضحَّوا بأموالهم وبيوتهم ومستقبلهم المادي من أجل الدين، وحبًّا في الانتماء إليهم، وضم جهودهم وطاقاتهم إليهم لتقوية مجتمع الحق وجبهته.
و السؤال: كيف يجب أن تكون علاقة الأجيال المؤمنة (السابقة باللاحقة والأنصار بالمجاهدين، والمنتصرين بالحركات التي تسعى للانتصار فتهاجر إليهم)؟.
أولًا: الحب القلبي الصادق .. فلا يرون اللاحقين بهم من سائر الفصائل الرسالية غرباء أو دخلاء، ولا يريدونهم أن يكونوا مجرد تابعين لهم، ولا أن يستثير وجودهم وتنافسهم ولا حتى اختلافهم معهم أي حقد وحسد، ولا أي لون من الحساسيات السلبية، لأن رابطتهم ببعضهم أكبر من كل ذلك. إنها رابطة الإيمان والجهاد.
[١] الكافي: ج ٢، ص ٢٧.