من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٩ - ويؤثرون على أنفسهم
المباركة أن يهاجر المؤمنون من مكة إليها، وحيث تواردوا أفواجا استقبلهم الأنصار وأوسعوا لهم صدورهم ودورهم، وتقاسموا معهم الأموال وحتى الأزواج، ولكن الخط المنافق من أهل المدينة وغيرهم ما كان يرضيهم أن يحتضن الأنصار المهاجرين، فلما أجلى المسلمون اليهود وقرر الرسول القائد صلى الله عليه واله أن يعطي الفيء للمهاجرين طفحت أحقادهم، واتخذوا الأمر فرصة سانحة ليلعبوا دورهم الخبيث، فمشوا في الصفوف بالشائعات ليضربوا زعامة النبي صلى الله عليه واله الذي يكنون له الحقد الدفين باعتباره لم يكن من أهل المدينة، وذلك بالتشكيك في سلامة نيته، حيث اتهموه بأنه انحاز لقومه (المهاجرين) على حساب الأنصار، ومن جهة أخرى استغلوا القسمة لهدف إيجاد الاختلاف والفرقة بين المؤمنين، بالذات باعتبار أن الظاهر كان يمكن تجييره لصالح التفرقة لاختلاف المهاجرين والأنصار، وعموما تتأسس سياسات التفرقة دائما على المظاهر المادية كاللون والمذهب والقومية والطائفية، وطالما أظهر المنافقون وعلى رأسهم عدو الله بن أبي للأنصار أنهم يريدون خيرهم من وراء موقفهم، وطالما استثاروا فيهم الوطنية وشح النفس ليكسبوهم، ولكنهم رفضوا ذلك لأنهم كانوا أصحاب البصيرة النافذة، والإيمان الرفيع، والتسليم المطلق لقيادة الحق.
أما الرسول فقد جمعهم وقال
«إِنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ دُوركم وَ أَمْوَالِكُمْ، وَقَسَمْتُ لَكُمْ مِنِ الغَنِيمَةِ كَمَا قَسْمتُ لَهُمآية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، من هدى القرآن - بيروت، چاپ: دوم، ١٤٢٩.
من هدى القرآن ؛ ج١٠ ؛ ص٣٧٩
أي أساوي بينكم)
، وَ إِنْ شِئْتُمْ كَانْ لَهُم الغَنِيمَةُ، وَلَكُمْ دِيَارَكُمْ وَ أَمْوَالَكُمْ
(أي يخرجون من أموالكم ودوركم ويصير لهم الفيء خالصا)
، فَقَالُوا: لَا، بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ مِنْ دِيَارِنَا وَأَمْوَالِنَا وَلَا نُشَارِكُهُمْ في الغَنِيْمَةِ»
[١] ففشل المنافقون، وهكذا تنتصر كل أمة على محاولات التفرقة حينما تتبع قائدها، وتلتزم بالقيم الحق، وتعيش فيما بينها الألفة والحق والإخاء، وقد سجل ربنا هذا الموقف الجليل كرامة للأنصار، وليكون نموذجا على ما يصنعه الإسلام بالنفوس، وليبين للبشرية جيلا بعد جيل وللأمة الإسلامية بالذات سر انتصاراتها في التاريخ وسبيلها إلى ذلك، وأن الرعيل الأول من المخلصين إنما قاد العالم يومئذ بهذه الروح الإيمانية السامية، فقال عز وجل وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني الأجيال المؤمنة السابقة من الأنصار، وقالوا في جواب سؤال: كيف يُنسب التبؤ للإيمان؟. أن: معنى الآية: تبوؤوا الدار، وأخلصوا الإيمان، أو اتخذوا الإيمان وطنا، وتمكنوا منه، مثلهم مثله سلمان لما سألوه عن نسبه، فقال: أنا ابن الإسلام، ثم تساءلوا: كيف قال ربنا: إنهم آمنوا قبل المهاجرين، أولم يسبقوهم بالإيمان؟ فقيل مِنْ قَبْلِهِمْ قبل قدوم المهاجرين، وقيل المعنى بعض الأنصار، أي أصحاب العقبة سبعون رجلًا تقدم إيمانهم على إيمان بعض المهاجرين. كما قيل: على التقدير السابق أن قَبْلِهِمْ خاصة تبؤ الدار، ومعلوم سبق الأنصار لذلك فهي
[١] بحار الأنوار: ج ١٩، ص ١٦١.