من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٨ - ويؤثرون على أنفسهم
لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧).
هدى من الآيات
يركز السياق في هذا الدرس على بحث العلاقة الداخلية في جبهة المؤمنين من جهة، وفي جبهة أعداء الله وأعدائهم من جهة ثانية، ففي البداية ينطلق من خلفيات قسمة الفيء الذي صار نصيبا للمهاجرين بحكم النبي، وبإيثار الأنصار أنفسهم، فيمتدح حب هؤلاء لبعضهم وطهارة قلوبهم، وإيثارهم على أنفسهم مما يؤكد خروجهم من زنزانة النفس، كما يسجل موقف المهاجرين الإيجابي من الأنصار، ومدى تحررهم من أي إصر أو عقدة، ويضع ذلك نموذجا ساميا للعلاقة التي ينبغي أن تحكم التجمعات والمجتمعات الإيمانية أفرادها وجماعاتها، وشعوبها وأجيالها، فإن الهيبة والانتصار، والتقدم، والفلاح يرتكز على الذوبان في بوتقة الإيمان والتسليم للقيادة الرسالية، وبتعبير القرآن: [الوقاية من شح النفس، واتباع بصائر الوحي]، بعيدا عن كل هوى ومصلحة.
ثم يضع القرآن صورة ثانية عن طبيعة العلاقة الداخلية في جبهة الباطل، ويؤكد لنا أنها قد تتراءى للمراقب الخارجي بأنها جبهة متماسكة إلا أنها تفتقر لأهم عوامل الوحدة والتماسك وهي وحدة القلوب، والسبب هو اتباعهم الباطل والأهواء والمصالح، ونبذهم الحق المتمثل في الرسالة وهدى العقل، وكل ذلك فإن الإنسان لا يجد دوافع حقيقية للتضحية والتفاني من أجله، ولهذا فإن جبهة الباطل تضعف وتتمزق بمجرد تعرضها للتحديات الحقيقية، وقد رأينا كيف استسلم بنو النضير من دون قتال، وكيف تنصل المنافقون عن نصرتهم رغم الوعود والأيمان والمغلظة بينهما، وهكذا هي العلاقة بين أهل الباطل (أفرادا وجماعات ودولا) يتناصرون مادامت ثمة مصلحة مشتركة، أما إذا انعدمت أو وجدت في مكان وموقف آخر فإنهم يميلون حيثما تميل، وهي بالضبط تشبه العلاقة بين الشيطان وبني آدم، حميمة مادامت للشيطان مصلحة فيه، أما إذا آن عذاب الله فكأنه لا يعرفه فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
بينات من الآيات
[٩] بعد أن مكث النبي صلى الله عليه واله في المدينة واستتب له الأمر تقرر في الحركة الرسالية