من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٧ - يسلط رسله على من يشاء
ثم إنها كانت قائمة ضمن معادلات سياسية، وتحالفات عسكرية انهارت جميعا بعد استقرار الرسول في المدينة، وربما يشير إلى ذلك السياق في الآيات التالية. وهكذا حاصر المسلمون تلك القلاع أكثر من عشرين ليلة مما اضطرهم للاستسلام.
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ إذن فهناك عاملان لهزيمتهم
الأول: ظاهري مادي، وهو إتيان الله لهم من خارج حساباتهم وخططهم.
الثاني: خفي وهو الرعب، لأن السلاح مهما كان متطوراً فتَّاكاً لا يجدي نفعاً إذا سُلِبَ صاحبه إرادة القتال، وتضعضع جانبه المعنوي، ولذلك يعتبر السلاح المعنوي (تقوية معنويات الجند وتضعيف العدو) من أهم عوامل النصر، ومن أجله يرصد المتحاربون الأموال والإمكانات الطائلة، ويخصصون له الوسائل والخبرات الكثيرة المؤثرة، ويسعون للإبداع فيه ما أمكنهم. وسلاح الرعب والخوف، وسلب المعنويات من أمضى وأظهر الأسلحة التي أيَّد الله بها نبي الإسلام، واعتمدها المسلمون في حروبهم، وفي مواجهة النبي مع بني النضير ألقى الله الرعب في قلوب اليهود حتى استوعبها كلها، فتغيرت المعادلة من الكبرياء والغرور إلى الهزيمة النفسية، وقد عمد النبي نفسه إلى استخدام سلاح الرعب حيث أمر باغتيال كعب بن الأشرف، ولعل هدمه لبعض دورهم، وقطع نخيلهم كان في بعض جوانبه جزءا من خطة إرعابهم.
وحينما يهيمن الرعب على القلوب فإنه يفقد العدو القدرة على التخطيط السليم، لأن من أهم ما يحتاجه الإنسان لكي يكون تفكيره منطقيًّا ومعقولًا الاستقرار والاطمئنان الداخلي، وقد فقد اليهود ذلك فخرجوا من التعقل إلى الانفعال، فصاروا يخططون ويعملون ضد أنفسهم من حيث لا يشعرون، حيث راحوا يهدمون بيوتهم بأيديهم حتى لا ينتفع بها المؤمنون، وقيل: حتى يصبح ركام الخرائب حائلا دون تقدم المسلمين، وقيل: ليفسح لهم المجال للمناورة في الحرب، وغاب عنهم أنهم أظهروا بذلك التصرف هزيمتهم للمسلمين مما قوَّى معنويات عدوهم فصاروا متيقنين بالنصر بعد أن كانوا لا يظنون أن اليهود يخرجون، والذين أعانوا المؤمنين على تحقيق أهم أهدافهم من المواجهة معهم وهو تقويض كيانهم ووجودهم.
يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وهذه الحادثة التاريخية وأمثالها حَريَّة بالدراسة والتحليل لما فيها من المنفعة الدنيوية والأخروية للإنسان، والمؤمنون أولى من غيرهم بدراستها لأنها جزء من تاريخ حضارتهم، ولأنها تعنيهم وتهمهم أكثر من أي أحد.
فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ والاعتبار هو العبور من الظواهر إلى الحقائق، ومن