من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٥ - يسلط رسله على من يشاء
كتاب آخر، إنما ينطلق من موقفهم العدائي تجاه الله والقرآن والرسول، فقد تآمروا على النبي ونقضوا عهدهم مع المسلمين، وسعوا للتحالف مع كفار مكة ومشركيها ضدهما، ذلك أنه لما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا، ونكثوا، وطمعوا فيهم، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة وحالفوا أبا سفيان عند الكعبة [١]، فأهل الكتاب إذا التزموا بكتابهم، وعهودهم، فإنهم محترمون في الإسلام، أما إذا كفروا، وتآمروا، فقد خرجوا من ذمة الإسلام، ووجب قتالهم، وإجلاؤهم عن بلاد المسلمين، وهذا ما حدث بالضبط مع يهود بني النضير وغيرهم. وهذا الرأي أقرب من تفسير كَفَرُوا بأنه عدم اعتناق الإسلام، لأن الله لا يكرههم عليه، ولا يعتبر كونهم من النصارى أو اليهود مبررا لقتالهم. أبدا، بل يفرض لهم حق العيش بأمن في ذمة الإسلام والمسلمين، ويدافع عنهم كأي مواطن مسلم، عهود وحدود مفصلة في كتب الفقه، فهذا أمير المؤمنين عليه السلام يتألم للمسلمة المعتدى عليها في ظله كتألمه على الأخرى الكتابية لا يفرق بينهما فيقول
«وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ والأُخْرَى المُعَاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وقُلُبَهَا وقَلَائِدَهَا ورُعُثَهَا مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاعِ والِاسْتِرْحَامِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ ولَا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً» [٢].
هذا هو واقع الإسلام، والمنطلق السليم الذي ينبغي اعتباره في تحليل التاريخ، ومواقف المسلمين من أهل الكتاب، أما الأحقاد الموجهة ضدهما من الصهيونية والصليبية فهي لا تتأسس إلا على الحسد والأهواء والمصالح. بلى؛ إذا حرَّف أهل الكتاب كتابهم، وتحولوا إلى مسيرة مناقضة لقيمه الحقيقية، وإلى حرب الإسلام وقيادته واتباعه وجبت محاربتهم، لأنهم حينئذ ليسوا من رسالات الله وأنبيائه على شيء.
ونعود إلى أول الآية عند قوله هُوَ ونتساءل لماذا يثبت الله إرادته ويؤكدها في هذا الموضع بالذات؟.
أولًا: لأن الانتصارات والمكاسب التي يحرزها المؤمنون إنما هي بإرادة الله.
ثانياً: وتأكيد القرآن على هذه الحقيقة يكون أشد ضرورة خاصة وأن هذه الآيات تبحث حادث إجلاء اليهود الذي تم من دون قتال عسكري، وما تلاه من أحكام توزيع الفيء، الذي خُصَّ به النبي صلى الله عليه واله فريقا من الناس دون آخرين، وأثار حولها المنافقون الشبهات، فإن تذكير المسلمين بأن الإجلاء جاء نتيجة إرادة إلهية، ومن دون قتال يوحي بأن الله هو الذي
[١] مجمع البيان: ج ٩، ص ٣٨٧.
[٢] نهج البلاغة: خطبة ٢٧.