من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٠ - ليقوم الناس بالقسط
قال الإمام الباقر عليه السلام: [نُوراً تَمْشُونَ بِهِ
يَعْنِي إِمَاماً تَأْتَمُّونَ بِهِ»
[١]، وهكذا عن الصادق عليه السلام. وإن المهم ليس أن يتحرك الإنسان أو يمشي، إن المهم أن تكون حركته في الطريق المستقيم نحو الأهداف التي خُلِقَ من أجلها، وهو لا يصير إلى ذلك إلا بالنور، والله هو الذي يجعله في قلبه يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور: ٣٥]، والجعل إما يكون مباشرا عبر الوحي وإما غير مباشر عبر المقاييس والموازين التي يُشخِّص بها القائد للناس.
وحينما يضيف الإنسان إلى إيمانه التقوى واتباع القائد الصالح فإن ذلك سيُطهِّر قلبه وسلوكه من الانحرافات والذنوب، فالتقوى تخلِّص نيته وتدفعه للطاعة كما تجنبه المعصية، والقيادة تنير له الدرب ليشق طريقه على بصيرة وهدى وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
[٢٩] التقوى هي المقياس لا الاعتبارات العرفية والعنصرية والقومية والمادية أو غيرها لأنها ساقطة في الإسلام، وتبقى قيمة واحدة هي التقوى كما قال الله يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: ١٣]، ويؤكد القرآن هذه القيمة في مئات المواضع، كما يؤكدها هنا مرتين: مرة بتعميم الخطاب لكل المؤمنين، دون اشتراط صفات واعتبارات مادية، ومرة عندما يصرح بأن السبل مشرعة إلى فضل الله للجميع.
لئلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ في الآية وجهان، يكون المعنى على الوجه الأول: لكيلا يقنطوا من روح الله وفضله فيبرِّروا بذلك عدم إيمانهم بالرسول صلى الله عليه واله والكتاب الجديد، أو يبرروا عدم سعيهم إلى الرحمة والفضل، كلا .. فدعوة الله ووعده للجميع.
أما على الوجه الثاني: فيكون المعنى: لكيلا يظن أهل الكتاب (النصارى واليهود) أن الفضل حكر عليهم، وأن المؤمنين المسلمين لا سبيل لهم إلى فضله تعالى، كلا .. وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ يبدو أن أهل الكتاب كانوا يعيشون عقدتين خطيرتين
الأولى: أنهم العنصر الأسمى فالفضل لهم لا لغيرهم.
الثانية: أنهم لو آمنوا لا يتساوون في الفضل مع السابقين من المسلمين لأنهم عرب وهم غرباء، أو لأي سبب آخر.
وخاتمة الآية (و ربما فاتحتها أيضا) تنفي كلتا العقدتين، لأن الفضل بيد الله فإنه يؤتيه
[١] الكافي: ج ١، ص ١٩٤.