من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٨ - ليقوم الناس بالقسط
[٢٨] وإذا كانت الرهبانية القائمة اليوم بدعة زائفة عن السبيل، فما هي الوسيلة التي تقربنا إلى ربنا أكثر فأكثر لمن اشتاق إلى الزلفى إليه سبحانه، ونيل مرضاته وحبه والدرجات العلى من جناته؟
في خاتمة سورة الحديد- سورة التبتل والجهاد- يبصِّرنا ربنا بالوسيلة التي يتخذها من شاء أن يتخذ إلى رضوان ربه سبيلا. ويوجه ربنا الخطاب إلى المؤمنين بالله جميعا مما يشمل الفريق الأول من أهل الكتاب، وكذلك المؤمنين في عهد النبي محمد صلى الله عليه واله لا يفرق بين أحد منهم، يدعوهم إلى صدق الإيمان والتقوى بترغيب في رحمته وفضله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وإنها لكرامة أن يخص الخالق فريقا من خلقه بحديثٍ مِنَ ذَكْرِهِ، وإنه لمن الشقاء أن يتلهَّى المؤمنون عن هذا الحديث، فلا تخشع له قلوبهم، ولا تسعى إليه جوارحهم! من هنا يسارع المؤمنون حقًّا عندما يسمعون هذا النداء إلى القول: لبيك اللهم لبيك.
لماذا القرآن الكريم يخص المؤمنين بالنداء حينا ويخاطب الناس أحيانا، علما بأن آياته تتسع لكل تالٍ لكتاب ربه؟.
ربما لأن الإيمان شرط أساسي في الموضوع. ألا ترى كيف أن القرآن يعمم الخطاب للناس في غير ذلك، مثل القضايا العلمية التي لا يشترط الإيمان في تنفيذها كالنفاذ من أقطار السماوات والأرض، فيقول يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣]، ويقول يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ [الحج: ٥]، أو فيما يتصل بحكم يشمل الناس جميعا كالعلاقة بين الشعوب في قوله سبحانه يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات: ١٣]. أما هنا فإن العمل بالمضمون يحتاج إلى الإيمان فلا يقفز الإنسان من الكفر إلى الإيمان بالرسول، بل لا بد أن يؤمن بالله أولا ثم برسوله، كذلك لا يقفز من الكفر إلى التقوى التي هي من مراحل الإيمان المتقدمة إلا بعد الإيمان بالله والرسول.
اتَّقُوا اللَّهَ وبعبارة: إن المسافة بين الإنسان وبين الاستجابة للوحي واتباع القيادة الرسالية مليئة بالتحديات والضغوط، ولا يقدر الإنسان على طيها إلا بزاد التقوى التي يواجه بها أشواك الطريق. وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ فهو محك الإيمان والتقوى، وما هي قيمة إيمان لا يتحول في واقع الإنسان إلى ولاء ديني، اجتماعي، سياسي عملي، للقيادة الرسالية الصالحة، ويصوغ شخصية الإنسان صياغة ربانية بعيدة عن قوالب التحزب الأعمى، والعصبية الضيقة، والقومية المحدودة، والوطنية الزائفة، و ....؟.