من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٧ - ليقوم الناس بالقسط
فَغَضِبَ أَهْلُ الإِيمَانِ فَقَاتَلُوهُمْ فَهُزِمَ أَهْلُ الإِيمَانِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا القَلِيلُ، فَقَالُوا: إِنْ ظَهَرَنَا هَؤُلَاءِ أَفْنَوْنَا وَ لَمْ يَبْقَ لِلدِّينِ أَحَدٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، فَتَعَالَوْا نَتَفَرَّقْ فِي الأَرْضِ إِلَى أَنْ يَبْعَثَ اللهُ النَّبِيَّ الَّذِي وَعَدَنَا بِهِ عِيسَى عليه السلام
(يَعْنُونَ مُحَمَّداً صلى الله عليه واله)
، فَتَفَرَّقُوا فِي غِيرَانِ الجِبَالِ وَ أَحْدَثُوا رَهْبَانِيَّةً، فَمِنْهُمْ مَنْ تَمَسَّكَ بِدِينِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ
وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا
الآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: يَا بْنَ أُمِّ عَبْدٍ! أَتَدْرِي مَا رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي؟.
قُلْتُ: اللهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ صلى الله عليه واله
الهِجْرَةُ وَالجِهَادُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالحَجُّ وَالعُمْرَةُ» [١].
وفي حديث آخر أنه قال
«يَا بْنَ مَسْعُود! اخْتَلَفَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَمْ عَلَى اثْنَتَيْنَ وَسَبْعِيْنَ فِرْقَةٍ، نَجَا مِنْهَا اثْنَتَانِ وَهَلَكَ سَايِرُهُمْ، فِرْقَةٌ قَاتَلُوا المُلُوكَ عَلَى دِيْنِ عِيْسَى فَقَتَلُوهُمْ، وَفِرْقَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ لِمُوَازَاةِ المُلُوكِ، وَلَا أَنْ يُقِيْمُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ يَدْعُونَهُمْ إِلَى دِيْنِ الله تَعَالَى وَدِيْنَ عِيْسَى، فَسَاحُوا في البِلَادِ وَتَرَهَّبُوا، وَهُمْ الَّذِيْنَ قَالَ اللهُ
وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ
، ثُمَّ قَالَ النَّبِي صلى الله عليه واله
مَنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي وَاتَّبَعَنِي فَقَدْ رَعَاهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِي فَأُولَئِكَ هُمْ الهَالِكُونَ» [٢].
وهذه الرواية في الواقع موافقة لما نعرفه من مقاييس الشرع، وهي تفسر الرواية التي تنقلها المذاهب الإسلامية كلها عن النبي صلى الله عليه واله بأن الأمة سوف تفترق بعده الى (٧٣) فرقة كلها هالكة إلا واحدة، وهي التي تقاتل الطغاة. أما الذين يعتزلون الساحة، ويتفرجون على صراع الحق والباطل، أو الذين يتابعون الظالمين والتيار العام في المجتمع صحيحا كان أو مخطئا، فليسوا من الناجين، ومن هنا يتضح لنا أن الحديث الذي يشير إلى أن الفرقة الناجية من أمة محمد صلى الله عليه واله هي التي تتبع الجماعة والأكثرية ولا تخالف الجبابرة والطغاة هو حديث موضوع على يد حكام الجور ومن أيدهم من أدعياء الدين.
ومع أن الفرق والمذاهب التي يصير إليها الناس كثيرة إلا أن القرآن يصنفها إلى خطين: خط الحق وخط الباطل فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ بعيسى عليه السلام واتبعوه قبل أن يتوفاه الله، أو حافظوا على إيمانهم بعده فكانوا ممن رعى الرهبانية حق رعايتها، ولما جاء الرسول صلى الله عليه واله آمنوا به واتبعوه، أَجْرَهُمْ والأجر هو الجزاء في مقابل شيء، والمؤمنون من أهل الكتاب يعطيهم الله أجرهم مقابل الإيمان والعمل الصالح، وليس لمجرد انتمائهم إلى دين المسيح عليه السلام ومجتمعه وأشياعه. وينسف القرآن النظرية العرقية والعنصرية لدى الضالين من أهل الكتاب فيقول وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ضالون منحرفون يدخلون النار، لا تنفعهم عنصريتهم ولا انتماءاتهم اللفظية.
[١] بحار الأنوار: ج ١٤ ص ٢٧٧.
[٢] نور الثقلين: ج ٥، ص ٢٥١- ٢٥٢، الجامع لأحكام القران للقرطبي: ج، ص ٢٦٥.