من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٢ - ليقوم الناس بالقسط
سبحانه إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ وإنما يكتسب المجاهدون من نصرتهم له قوة وعزة.
وكلمة أخيرة: إن آية الحديد تشير إلى نظام التجمع الإسلامي الذي يتمثل في الرسول ومن ينوب عنه، وفي القوى الثلاث: التشريعية، ورمزها (الكتاب) ودورها بيان الأحكام، والقوة القضائية، ورمزها (الميزان) أما مهمتها فهي تطبيق الأنظمة على الواقع لتحديد المصاديق وبيان كيفية التنفيذ، والقوة التنفيذية، ورمزها (الحديد).
كما تشير الآية إلى شعار التجمع الإسلامي الذي يهدينا إلى وجهته وصبغته العامة والمتمثل في قوله سبحانه لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.
وخاتمة الآية تهدينا إلى الدافع الغيبي لنصرة الدين، والذي يعتبر الضمانة التنفيذية للأحكام، وقوة التماسك الداخلية في التجمع الإيماني.
[٢٦] ويضرب القرآن مثلًا تاريخيًّا لما بينته آية الحديد فيما يتصل بحركة الأنبياء ومن يتبعهم، وذلك من واقع نوح وإبراهيم عليهما السلام حيث كانا فاتحين لعهدين جديدين في تاريخ الرسالات الإلهية. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ، والنبوة هي القيادة المعصومة المختارة من عند الله، أما الرسالة فهي فوقها بدرجة حيث إن الرسول يحمل رسالة من ربه إلى الناس.
والنبوة والكتاب هما عهد الله، ولا يناله إلا الصالحون الصادقون، الذين يمتحنهم الله، قال عز من قائل* وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤]. وحيث تصدى أبناء نوح وإبراهيم عليهما السلام لقيادة البشرية عبر الأجيال، وحملوا مشعل الهداية ونهجها للأمم تلو الأمم، يظهر فضلهم على الناس وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ولكن مجرد كون النبوة والكتاب في ذرية نوح وإبراهيم عليهما السلام لا يبرر نمو الحالة العنصرية عند أولادهم وأتباعهم فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ هم الرسل والأنبياء والأوصياء ومن آمن بهم واتبعهم، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ضالون منحرفون، لم يلتزموا بالكتاب، ولم يقتفوا آثار الأنبياء، فالمقياس في الصلاح أو الفساد ليس الانتساب ولا ادعاء المشايعة للصالحين، إنما المقياس الحق هو اتباع القيم الرسالية، والتزام السلوك الصالح، فلا صلاح القادة وحقانية القيم دليل هدى الأمم والمجتمعات، ولا ضلال الأمم والمجتمعات وانحرافها دليل فساد القادة والقيم، وإلى هذا يشير الإمام الرضا عليه السلام حيث يقول مخاطبا المأمون وبعض العلماء في مجلسه
«أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ وَقَعَتِ الوِرَاثَةُ وَ الطَّهَارَةُ عَلَى المُصْطَفَيْنَ المُهْتَدِينَ دُونَ سَائِرِهِمْ؟
قَالُوا: وَمِنْ أَيْنَ يَا أَبَا الحَسَنِ؟
قَالَ: مِنْ قَوْلِ الله عَزَّ وَ جَلَّ
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ