من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨ - سبحان الله عما يشركون
تصله عبر الوحي، ومن دونها لا يكون رسولا ولا مذكِّرا.
وبهذين الدليلين نهتدي إلى أن الرسول ليس بكاهن لأن الكاهن هو الذي يتنبأ بالمستقبل دون أن يستثير العقل، فتراه يصيب مرة ويخطئ مرات، في حين لا نجد خطأ واحدا في آيات الله. وليس بمجنون لأن ما يصدر عن المجنون لا يلتقي مع العقل، في حين تلتقي الرسالة معه بكل مفرداته دون استثناء، وهو يعتمد خطة واضحة في تحركه هي رسالته، وليس بمجنون- حاشا لله- لأنه ينبعث من منطلقات إيمانية وعقلية، وحسابات علمية بالغة الدقة نافذة الحكمة.
كما يتميز النبي بالشجاعة والتوكل والثقة، في حين أن المجنون لا يعتمد على شيء، وليس الرسول بشاعر لأنه يستثير العقل، في حين يعتمد الشاعر على إثارة مشاعر الإنسان، وأداته الخيال والمبالغة. وأخيرا ليس بساحر لأن الساحر إنما يلعب بخيال البشر، ويسحر عيونهم، ولا يفلح الساحر حيث أتى، فهل رأيت ساحرا يقود أمة أو يصنع تاريخا أو حتى يجمع ثروة طائلة أو يكتسب جاها عريضا؟ كلا .. لأن الساحر لا يعيش حقائق الحياة حتى يسخِّرها لمصلحته أو لقضيته بل يتقلب في سحره مع التمنيات والظنون، هذا أولا، وثانيا تلتقي التهم الموجهة إلى النبي صلى الله عليه واله في كون المذكورين يعتمدون على قوى ليست مشروعة في نظر العرب أنفسهم، فالكاهن يعتمد على اتصاله بالشياطين أو على مجرد الحدس، والمجنون هو الذي سحرته الجن فهي توحي له بتصرفاته وأقواله، والذي اعترته الآلهة بسوء كما قالوا من قبل لهود عليه السلام إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ [هود: ٥٤]، والشاعر هو الذي يحس بما لا يحس به الآخرون، ويتلقَّى الإلهام من الآلهة أو قوى أخرى كالجن، والساحر هو الذي يستغني بالشياطين والعفاريت أو يسخِّرهما، أما الرسول صلى الله عليه واله فهو يتصل عبر الوحي بالله خالق الخلق ويعتمد عليه.
والقرآن إنما يثبت هذه التهم ليعكس للرساليين عبر التاريخ طبيعة المسيرة التي ينتمون إليها من جانب، ومن جانب آخر لبيان اعتراف الأعداء بجوانب من شخصية الرسول صلى الله عليه واله، فهم بهذه الاتهامات يعترفون ضمنيًّا بقوته وتأثيره في الناس، فتهمة الكهانة تعكس صدقه، وتهمة الجنون تعكس شجاعته، وتهمة الشعر تعكس بلاغته وقوته على الإقناع، وتهمة السحر تعكس تأثيره العملي في المجتمع، إلا أنهم يسعون بهذه التسميات إلى النيل من شخصيته، وتحوير الحقيقة لكيلا يتأثر أحد.
[٣٠- ٣١] إن الحيرة التي وقع فيها المشركون والكفار وعدم ثباتهم على تهمة معينة دليل واضح على اتباعهم الظنون لا العقل في تقييم رسالته وشخصيته، مما يدل على أنه جاء بحركة جديدة لم يستطيعوا لها تفسيرا ولا تأويلا، وقد يدلل اتهامهم له بالشعر بعد الكهانة والجنون