من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٩ - وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور
وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [١] يُضَاعَفُ لَهُمْ بركة من الله، ذلك لأن التكافل الاجتماعي يدوِّر الثروة، مما يؤدي إلى بناء المجتمع اقتصاديًّا وحضاريًّا، قال تعالى وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ [الروم: ٣٩]، أضف إلى ذلك حب الناس واحترامهم ودعاءهم في الدنيا، وفي الآخرة الثواب، فقد روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال
«مَكْتُوبٌ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ: الصَّدَقَةُ بِعَشَرَةٍ والقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَر
] [٢]. وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ.
[١٩] أما الباب الأوسع للدخول إلى مقام الصديقين والشهداء فهو التسليم نفسيًّا وعمليًّا لله ولرسله وأوصيائهم والقيادات الرسالية من بعدهم، وأساسا الإيمان والإنفاق يتكاملان، ويكملان شخصية الإنسان الربانية، ولا يكفي أحدهما دون الآخر، ومن هذا المنطلق يأتي التلازم الكثير في القرآن بينهما كما في الآية السابقة من هذه السورة، أو بصيغ تختلف كالإيمان والجهاد أو العمل الصالح. ولعل التعرض لموضوع الإيمان بعد التحريض على التصدق والقرض تأكيد على أنهما لا ينفكان عن بعضهما.
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ إيمان تسليم مطلق للحق وعمل صالح مخلص بما في رسالته يستمر مع الإنسان حتى الموت، ولا يمكن لأحد أن يحقق ذلك إلا بالطاعة للقيادات الرسالية أنبياءً ورسلًا وأئمةً ومن يمثل خطهم في الحياة، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] لأنهم حجة الله، وبابه الذي يؤتى منه، والانتماء إليهم والتسليم لقيادتهم جزء لا يتجزأ من الإيمان الحق، الذي يرفع الإنسان إلى درجة الصديقين والشهداء، وهل يُصَدِّق الإيمان إلا تولي الأولياء والتجرد عن كل قيادة سواهم؟! وهل تتم شهادة الأمة الوسط إلا بشهادة الرسول عليها؟! ... لذلك عطف الله على الإيمان به، برسله قائلا وَرُسُلِهِ كلهم لأن مسيرتهم واحدة متكاملة، وما جاؤوا به من القيم وبينوه من العظات وجسدوه من السير الصالحة ذخر للحضارة ينبغي للبشرية وبالذات المؤمنين أن ينتفعوا به، وإن كانت الطاعة العملية تبقى للرسول فيما تناسخ من الشرائع، وإنما تتابعت الرسالات لتكميل المسيرة.
ولعل الحكمة في التأكيد على الإيمان بالرسل جميعا أنه حيث انتقد آنفا أهل الكتاب وبيِّن انحرافهم كان من الممكن أن تنصرف بعض الأذهان إلى أن الطعن متوجه إلى الرسالات، فأزال السياق هذه الشبهة بالتأكيد على ضرورة الإيمان بها جميعا. وإذا ارتفع بشر إلى مستوى الإيمان
[١] مرّ معنى القرض الحسن لدى التدبر في الآية [١١] من هذه السورة.
[٢] الكافي: ج ٤، ص ٣٣.