من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٤ - وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور
المعاكسة، وإغراءات الدعة والرخاء تعطي الناصحين فرصة إصلاح الناس، ومقاومة عوامل الانحراف! فقد ينبعث في الجيل الثالث في المسلمين وما بعده مصلح كبير يفسر القرآن بما ينسجم وتحديات عصرهم، ويعيد إليهم نضارته وطراوته وصفاءه بعيدا عن زيف التحريفيين، وتأويل المعُذِّرين، ولعله إلى ذلك تشير الأحاديث التي تؤكد على ظهور مجدد للدين على رأس كل قرن من الهجرة النبوية الشريفة.
والآية الكريمة التي نفسرها لا تستصدر حكماً قطعيًّا واحداً على كل أهل الكتاب، إنما تفرِّق فيهم بين جيل وجيل، فهناك المؤمنون حقًّا كما يؤكد القرآن ذلك في مواضع منه، مثل قوله تعالى في نهاية السورة فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [الحديد: ٢٧]، وهناك المتزمتون الذين صعَّبوا الدين وتصوَّفوا، ومن بينهم من قست قلوبهم، الذين يشكلون الأكثرية الساحقة فيهم! وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ إلى هنا يكون القرآن قد حذر المؤمنين من مرض القسوة الذي قد يتورطون فيه، كما بيَّن لهم عواقبه السيئة من خلال الإشارة إلى سيرة أهل الكتاب، أما الآن فالسياق بآياته يَشْرَع في معالجة المشكلة إلى جنب بيان أسبابها.
المؤمنون الذين خاطبتهم الآية السابقة لم ينحرفوا انحرافا كليًّا كأكثر أهل الكتاب، وإنما سلبوا الخشوع، فقست قلوبهم قليلا، ودب فيهم اليأس من إصلاح أنفسهم فأخذ القرآن يعطيهم الثقة بربهم.
اعْلَمُوا ربما ابتدأ بالعلم لأن الخشية ميراث العلم، أولم يقل تعالى إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨].
و السؤال: ما هي تلك الحقيقة الكفيلة بزرع الأمل في نفوس المؤمنين وإنقاذهم من اليأس؟.
أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا أرأيت كيف تنبسط على الصعيد حلة خضراء بعد أن كانت الأرض هامدة كأنها مقبرة مهجورة؟ انظر إلى الحياة التي تدب فيها، وتفكر في قدرة الله، أليس الذي أحياها بقادر على أن يحيي ميت القلوب؟ فلماذا اليأس؟.
بلى؛ قد تحيط بالمؤمنين ألوان المشاكل، فتمسهم البأساء والضراء، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ويزلزلون، وربما استطال اليأس بسبب ذلك حتى على نفوس المخلصين حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة: ٢١٤]، ولكن ليعلموا أن انتصارهم حتمية فرضها الله كما فرض كتابه عليهم إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص: ٨٥]، نعم. قد يتأخر لحكمة يعلمها الله- كتصفية قلوب المؤمنين من