من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧ - سبحان الله عما يشركون
هدى من الآيات
يعالج هذا الدرس الحجب التي منعت الكفار من الإيمان بالرسالة. إنهم لم يعرفوا كيف يمكنهم أن يبرروا موقفهم من الوحي، فقالوا عن الرسول: إنه كاهن، ثم اتهموه بالجنون، بل وسمَّوه شاعرا، ثم أكدوا ضلالتهم بعدما تبين لهم بطلان التهم السابقة وقالوا: إنه ساحر، ولكن الأمر ليس كذلك، إنما هم طاغون لا يريدون الإيمان بالحق تهربا من المسؤولية فبحثوا لموقفهم عن تبرير فلجؤوا إلى تلك التهم الرخيصة، فموقفهم- كما تبريراتهم- إذن ليس بمعقول، والجدال معهم لا ينبغي أن يكون جدلًا عقلياً، إنما ينبغي أن يهز ضمائرهم، لذلك نجد في الآيات تهديدا مبطنا بالعذاب قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ كما نجد في الآيات من جهة أخرى إثارة للكفار نحو التفكر في الخلق من حولهم، ليكبحوا جماح الغرور في أنفسهم، ويخرجوا من قوقعة الذات إلى الآفاق الواسعة.
إن استثارة عقل الإنسان نحو التدبير في الآفاق (الطبيعة والقوانين التي تحكمها) ركيزة أساسية للتربية والتوجيه في نهج القرآن، ولكن ربط هذا التدبر بما يجري داخل النفس البشرية هو المهم في المنهج، لذلك يبدو واضحا في كثير من الآيات أن القرآن يريد بناء جسر بين الآفاق حتى أبعد مدى فيها وبين النفس حتى أعمق غور منها.
بينات من الآيات
[٢٩] تزدحم التهم والإشاعات ضد كل مصلح رسالي بمجرد أن يرفع راية الإصلاح، فإذا به يدعى كاهنا أو مجنونا أو عميلا يتصل بجهات خارجية، من أجل تحطيمه أو الضغط عليه في اتجاه التخلي عن رسالته، فيجب إذن ألَّا يُفاجأ أي عامل إذا ما تعرض لذلك في مسيرته، بل يعتبره أمراً طبيعياً، ويستمر في حركته حتى يبلغ إحدى الحسنيين، متوكلا على ربه، ومهتديا بوحيه، واثقا بنفسه.
ورسولنا الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله وهو الأسوة العظمى لنا، كان عرضة لمختلف الدعايات والتهم ولأنواع شتى من الأذى، وإذا لم تكن ثقته بربه وبرسالته وبنفسه ثقة عميقة لم يستمر، ومع ذلك أمره الله بالاستمرار في دعوته قائلا فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ وهذه الآية تنفي عن النبي صلى الله عليه واله جميع التهم التي وُجِّهت إليه بالتالي
١- إن رسالته تثير دفائن العقول البشرية بالتذكرة.
٢- إن التذكرة التي جاء بها الرسول ليست من عنده ولا من أحد، إنما هي نعمة من الله