من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٧ - آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا
هو المعاضدة والإعانة على الانحراف، وتأكيد النصوص الإسلامية على هذه الحقيقة (وذكره في هذه الآية في صيغة الاستدراك) كل ذلك يأتي لكيلا يعتبر البشر وساوس الشيطان تبريرا للانحراف والضلالة، وأنه مجبور عليها.
وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعني الشيطان إنسيًّا كان أو جنيًّا. الْغَرُورُ صيغة مبالغة، تدل على أن ذلك عمله وديدنه، ولا ريب أن الإعلام المضلل الذي ينشر ثقافة الفساد كتابة وصورا وصوتا، وكذلك الأنظمة الفاسدة التي تركِّز حب الدنيا واتباع الهوى في المجتمع، هما من أبرز مصاديق هذه الآية الكريمة، كما أصدقاء السوء من مصاديقها.
[١٥] وكم تكون حسرة الإنسان إذا صار في الدنيا غرضا للفتن، وفريسة للأماني وهمزات الشيطان، وعاش بينهما متربصا مرتابا حتى يجيء أجله، وتضيع الفرصة قبل أن يُخلِّص نفسه من النار، ليصير إلى بئس المصير! إنه يبخل بالمال في الدنيا، ولكنه يتمنى لو أن له ملء الأرض ذهبا وفضة يفتدي به نفسه يوم القيامة، وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الزمر: ٤٧- ٤٨]، نعم. هناك تتبدد ظنونهم وأمانيهم التي لا تغني من الحق شيئا. وهب أنهم كان لهم ما في الأرض ومثلهم وأرادوا فداء أنفسهم فإنه لا يقبل منهم، ويأتيهم النداء بأن الدنيا هي دار العمل ولم تعملوا.
فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمْ النَّارُ في مقابل الجنة التي يفوز بها المؤمنون والمؤمنات.
ومفارقة أخرى أن ولي المؤمنين هو الله والأنبياء والأولياء والصالحون الذين يتقدمون بهم إلى الجنة نورا يسعى بين أيديهم، أما المنافقون فلا يجدون وليًّا ولا نصيراً ولا مأوى إلا النار، وحيث يبحثون عن أوليائهم الذين اتبعوهم في الدنيا من الظَّلَمَة والشياطين فيأتيهم الجواب هِيَ مَوْلاكُمْ إنهم رفضوا دعوة الله آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، إذ نافقوا بدل الإيمان، واتبعوا القيادات الضالة بدل الطاعة للرسول، وحيث يقال إن النار هي مولاكم يعلمون عين اليقين أنهم إذا تولوا الظالمين إنما تولوا النار وَبِئْسَ الْمَصِيرُ وهذا المقطع يقابل قوله تعالى عن المؤمنين ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وأي مصير أسوأ من ظلمات القيامة، وعذاب النار، وسخط الرب؟! وهذا الأخير أشد عذابا من كل شيء إن الإنسان يصير غرضا لغضب الله، وبعيدا عنه، وفي الدعاء
«فَهَبْنِي يَا إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلَايَ وَرَبِّي صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِرَاقِكَ، وَهَبْنِي صَبَرْتُ عَلَى حَرِّ نَارِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى كَرَامَتِكَ، أَمْ كَيْفَ أَسْكُنُ