من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٥ - آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا
عن غير إرادة ثم يتبع منهج الإسلام في التعامل معها أو يدخل نفسه ليقاومها، وبين من يدخل نفسه في الفتن بإرادته لا ليتحداها، إنما ليكون غرضا لها، ولتكون الدنيا والهوى غرضه من دخولها. ولعل الاغترار بالدنيا أظهر مصاديق فتن النفس، وفي الكلمة ظلال لمعنى أضللتم، تشابها مع قول الله لنبيه وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة: ٤٩] أي يضلوك.
المرحلة الثانية: التربص وَتَرَبَّصْتُمْ بتسويف الالتزام بالحق، وانتظار التغيير في المستقبل، ذلك أن الإنسان مهما توغل في الانحراف ودخل في الفتن، فإن الله يبين له الحق ليقيم عليه الحجة ولو في لحظات، إما بيقظة الضمير أو بموعظة داعية، أو من خلال اصطدامه بمشكلة تنبههه إلى خطئه، ولكنه في الغالب لا يُلزم نفسه الحق مباشرة، إنما يُسوِّف التوبة، ويستمر في الفتنة حتى تفوته الفرصة، والإمام علي عليه السلام يحذر من هذه الحالة إذ يقول
«فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ نَصَحَ نَفْسَهُ وقَدَّمَ تَوْبَتَهُ وغَلَبَ شَهْوَتَهُ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ وأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ والشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِهِ، يُزَيِّنُ لَهُ المَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا، ويُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا إِذَا هَجَمَتْ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا، فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً، وأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشِّقْوَةِ» [١].
المرحلة الثالثة: الارتياب والشك وَارْتَبْتُمْ إن الله يبصِّر الإنسان بالحق، ويبين له الخطأ الذي هو عليه، فإن أقدم على التغيير اهتدى، وإلا فإن التربص يحوِّل يقينه إلى شك، والإمام علي عليه السلام يقول
«لَا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلًا ويَقِينَكُمْ شَكّاً، إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا وإِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا»
[٢]، والإنسان حينما يُقدم عمليًّا على الالتزام بالحق تتعمق قناعته به، قال تعالى وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: ٦٩] وفي غير هذه الصورة يبدأ يشكك نفسه ليتخلص من وخز الضمير وملامة النفس اللوامة، فإذا نصحه إخوانه بالأوبة إلى هذه الصورة أخذته العزة بالإثم، وأنكر الحق، وقال كما قال الكافرون للذين آمنوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ [الأحقاف: ١١]، وهذه الصفة تنفي انتماءهم للمؤمنين لقوله تعالى بالحصر إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥]، وادعاء المنافقين أنهم من المؤمنين ومعهم مجرد محاولة لإلصاق أنفسهم بهم والتخلص من العذاب، وإلا فهم لم يؤمنوا بالله ولا برسوله ولم يستجيبوا لدعوته المتمثلة في الآيات البينات المنزلة على رسوله صلى الله عليه واله فبقوا في الظلمات.
المرحلة الرابعة: الاغترار بالأماني، ذلك أن الحق واضح مبين تتلاحق أمام الإنسان
[١] نهج البلاغة: خطبة: ٦٤.
[٢] بحار الأنوار: ج ٢، ص ٣٦.