من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٢ - آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا
عِنْدَ الله تَعَالَى»
[١]، ولا يقف الجزاء عند هذا الحد، إنما تعم البركة جوانب حياته، وتمتد إلى من حوله، وإلى الأجيال من بعده، قال الإمام الصادق عليه السلام
«مَا أَحْسَنَ عَبْدٌ الصَّدَقَةَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا أَحْسَنَ اللهُ الخِلَافَةَ عَلَى وُلْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ»
[٢]، وكذلك يشمل الجزاء الآخرة، فيكون هناك أكثر وأفضل.
وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ في مقابل شكر الإنسان لربه، وتصرفه الحسن في نعمه يشكره الله. ونحن نعلم كم تكون العطية كثيرة إذا امتدت بها يد الكريم من الناس، ولكننا لا نستوعب سعتها ونوعيتها إذا كانت من عند رب العالمين الذي وسعت رحمته كل شيء!.
[١٢] وجزاء الله وأجره لا ينحصر في الدنيا، ففي الآخرة يكون الجزاء الأعظم والأعم. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لأنهم بعثوا أعمالهم الصالحة قبل أن يرحلوا إلى تلك الدار وَبِأَيْمَانِهِمْ التي ما برحت حتى الرمق الأخير تنفق في سبيل الله حيث تتحول صحيفة أعمالهم التي يحملونها بأيمانهم إلى نور وبشرى بالجنة، والنور هو تجلٍّ واقعي للأعمال الصالحة، والهدى الذي اتبعوه من آيات الرسالة التي تنزلت على الأنبياء، والإمامة الصالحة التي اختاروها وسلموا لها واتبعوا بصائرها، قال الإمام الباقر عليه السلام وهو يفسر الآية
«أَئِمَّةُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ تَسْعَى بَيْنَ يَدَيِ المُؤْمِنِينَ وبِأَيْمَانِهِمْ حَتَّى يُنْزِلُوهُمْ مَنَازِلَ أَهْلِ الجَنَّةِ»
[٣]، ولا غرابة في ذلك وربنا يصف نبيه بأنه نور وسراج منير ويقول يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً [الأحزاب: ٤٥- ٤٦]. وهذا النور موجود في الدنيا، ولكن الإنسان لا يراه بعينه، إنما يراه البصير بقلبه، وفي الآخرة يكشف الله عنه. ونهتدي من التدبر في المقطع يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ إنه ينبغي للمؤمن أن لا يكتفي بالنور الذي ينير له الطريق من الخارج، بل لا بد أن يكون بيده نور وعنده بصيرة الاستفادة من ذلك في الوقت المناسب.
ومن دقائق التعبير هنا قوله تعالى وَالْمُؤْمِنَاتِ دون أن يكتفي بذكر المؤمنين التي هي لغة القرآن الشاملة للجنسين، وذلك لكيلا تتصور النساء أن الإنفاق والجهاد في سبيل الله من وظائف الرجل وحده، كلا .. فهن مكلفات بقدرهن أيضا، ومن الخطأ أن تعتمد المرأة على ما يقدمه وليها أو أقرباؤها، فلكلٍّ عمله وسعيه، ونوره وجزاؤه يوم القيامة.
وحيث يتقدمون نحو الجنة ويعبرون الصراط تأتيهم البشارة من الله تحملها الملائكة.
[١] مستدرك الوسائل: ج ٧ ص ٢٠٢.
[٢] الكافي: ج ٤، ص ١٠.
[٣] الكافي: ج ١، ص ١٩٥، تفسير القمي: ج ٢ ص ٣٧٨.