من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٩ - آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا
غنى الله، وأنه إنما فرض الإنفاق ليبتلي عباده ويستأديهم ميثاقه بالطاعة له. قال أمير المؤمنينعليه السلام
«أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ، وأَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ، واسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ، وأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ، وخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، ولَا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا، فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ
إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ
وقَالَ تَعَالَى
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ
فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلٍّ ولَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ، اسْتَنْصَرَكُمْ ولَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، واسْتَقْرَضَكُمْ ولَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وهُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ، وإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ الله فِي دَارِهِ» [١].
نعم. إنه تعالى لا يحتاج إلينا، ولا لأحد من خلقه، وإن ما نملك من شيء فهو من فضله ورزقه، ودعوته لنا إلى الإنفاق في صالحنا، فبالإنفاق في سبيله نعالج مشاكلنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ونزكي أنفسنا، وفي الآخرة أجر وثواب عظيمان، فلنستمع لندائه، ولنستجب دعوته مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً إنه لا يريدنا أن ننفق كل أموالنا في سبيله، إنما يريد بعضها فالقرض هو الاقتطاع، ولعل في الكلمة إشارة إلى الصعوبة التي يواجهها الإنسان عند الإنفاق والتي تشبه القرض. أوليس يريد مخالفة هواه، وحبه للمال؟ إذن فليتحمل، وليعلم أنه في صالحه دنيا وآخرة.
وربنا لا يريد أي إنفاق، إنما الإنفاق الحسن، ولا يكون كذلك إلا إذا اشتمل على المواصفات التالية
١- أن يكون من المال الحلال .. روى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عز وجل أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ أنه قال
«كَانَ القَوْمُ قَدْ كَسَبُوا مَكَاسِبَ سَوْءٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا أَسْلَمُوا أَرَادُوا أَنْ يُخْرِجُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِيَتَصَدَّقُوا بِهَا فَأَبَى اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى إِلَّا أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ أَطْيَبِ مَا كَسَبُوا»
[٢]، وفي رواية أخرى: أَنَّهُ سَأَلَ الصَّادِقَ عليه السلام عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وجَلَ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ فَقَالَ عليه السلام
«كَانَ النَّاسُ حِينَ أَسْلَمُوا عِنْدَهُمْ مَكَاسِبُ مِنَ الرِّبَا ومِنْ أَمْوَالٍ خَبِيثَةٍ فَكَانَ الرَّجُلُ يَتَعَمَّدُهَا مِنْ بَيْنِ مَالِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا فَنَهَاهُمُ اللهُ عَنْ ذَلِكَ وإِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ» [٣].
وقال رسول الله صلى الله عليه واله
«إنَّ اللهَ طَيِّبٌ وَلَا يَقْبَلَ إِلَّا الطَّيِّبَ»
[٤]، ولعل تأكيد الأحاديث
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٨٣.
[٢] الكافي: ج ٤، ص ٤٨.
[٣] وسائل الشيعة: ج ٩ ص ٤٦٦.
[٤] مجمع البيان: ج ٩، ص ٢٩٨.