من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٥ - آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا
الثاني: إنكم لستم المالك الحقيقي بل الله، وإنما أذن لكم بالتصرف فيه، وخوَّلكم صلاحية العمل فيه، كما لو كنتم خلفاءه فيه، وكلا المعنيين سواء في التحريض على الإنفاق، ولكن الأول أظهر لقوله تعالى وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ [المنافقون: ١٠].
فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ أما الذي يؤمن ولا ينفق فإن كان امتنع عن الإنفاق الواجب فله العذاب، وإن كان مستحبًّا فإن أجره لن يكون كأجر المنفقين.
[٨] ولماذا يرفض الإنسان الإيمان بربه وهو الذي خلقه ويرزقه ويرعاه؟!.
وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وهذه الدعوة ليست بدعة ولا باطلا، إنما تتفق مع الحق المودع في فطرة كل خلق منذ عهده مع ربه. قال تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: ١٧٢- ١٧٤].
وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي إن كنتم أعطيتم الميثاق الأول بالطاعة لله وللرسول فأنفقوا.
قال البعض: إن ميثاق عالم الذر لا يصلح للتحريض، لأننا لا نتذكر ذلك الميثاق .. فكيف يكون حجة علينا؟. قال عطاء ومجاهد والكلبي والمقاتلان: يريد حين أخرجهم من ظهر آدم، وقال أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى، ورد عليهم الفخر الرازي: [وهذا ضعيف، وذلك لأنه تعالى إنما ذكر أخذ الميثاق ليكون ذلك سببا في أنه لم يبق لهم عذر في ترك الإيمان بعد ذلك، وأخذ الميثاق وقت إخراجهم من ظهر آدم غير معلوم للقوم إلا بقول الرسول (ومضى يرد على رأيهم حتى قال): فعلمنا أن تفسير الآية بهذا المعنى غير جائز] [١]، والحال أن الله لم يأخذ الميثاق ويشهد بني آدم على أنفسهم إلا لكي يستأديه في يوم من الأيام عبر رسله وأوليائه وحججه، وهو مودع في قلوبهم بصورة معرفة وإيمان فطري، والشاهد المتقدم من سورة الأعراف ظاهر وظهير لهذا المعنى. ويحتمل أن يكون معنى الإيمان هو الجانب العملي منه المتمثل في الإنفاق، فيكون المعنى: إن كنتم مؤمنين حقًّا استجيبوا لدعوة الرسول بالإنفاق. وقال البعض: إن معنى الآية: آمنوا إن كنتم ممن تكفيه هذه الشواهد.
[١] تفسير الرازي: ج ٢٩، ص ٢١٧.