من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣١ - إن هذا لهو حق اليقين
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قال المفسرون والفقهاء تبعا للآيات: يعني لا يجوز أن يمس القرآن إلا من كان مسلما طاهرا. قال أبو الحسن عليه السلام
«المُصْحَفُ لَا تَمَسَّهُ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ ولَا جُنُباً ولَا تَمَسَّ خَيْطَهُ ولَا تُعَلِّقْهُ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ] [١]، وعن الصادق عليه السلام، قال الراوي [سَأَلْتُهُ عَنِ التَّعْوِيذِ يُعَلَّقُ عَلَى الحَائِضِ، قَالَ عليه السلام
لَا بَأْسَ،
وقَالَ عليه السلام
تَقْرَؤُهُ وتَكْتُبُهُ ولَا تَمَسُّهُ» [٢].
وهذا التفسير هو ظاهر الآية، وإذا تدبرنا في الآية أكثر لعرفنا أن الطهارة الحسية بُعْدٌ واحد من الطهارة، والبعد الآخر هو طهارة الروح التي هي الأهم. ولا يمس حقائق القرآن إلا المطهرون عن الإثم والفواحش، البعيدون عن العقد والأفكار الدخيلة والمسبقة، والأغلال والإصر، وسائر الأدران التي تحجب الإنسان عن كتاب الله. قال ربنا سبحانه وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً [الإسراء: ٤٥- ٤٦] وقال أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤]، كما جاء أمره تعالى بالاستعاذة من الشيطان في قوله فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨] لأنه لون من ألوان النجاسة المعنوية التي تحجب الإنسان عن الآيات. وأئمة الهدى الذين تنزل الوحي في بيوتهم هم الأعلم بمعاني القرآن، لأنهم أظهر مصاديق الطهر لقوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: ٣٣].
ومن الدقة في التعبير أنه تعالى لم يقل الطاهرين إنما قال الْمُطَهَّرُونَ مما يؤكد تأويل هذه الآية في أهل البيت العصمة عليهم السلام حيث طَهَّرهم الله، ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام
«إِنَ القُرْآنَ الَّذِي عِنْدِي لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَّهرُونَ والأَوصِيَاءُ مِنْ وِلْدِي»
[٣]، ولعل المراد مما عنده القرآن بتفسيره وتأويله وما تلقَّى من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه واله فيه. وقد قال الإمام الصادق عليه السلام
«وإِنَّمَا القُرْآنُ أَمْثَالٌ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ ولِقَوْمٍ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَعْرِفُونَهُ، وأَمَّا غَيْرُهُمْ فَمَا أَشَدَّ إِشْكَالَهُ عَلَيْهِمْ وأَبْعَدَهُ مِنْ مَذَاهِبِ قُلُوبِهِمْ، ولِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله
(إِنَّهُ)
لَيْسَ شَيْءٌ أَبْعَدَ مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنْ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، وفِي ذَلِكَ تَحَيَّرَ الخَلَائِقُ أَجْمَعُونَ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ.
[١] وسائل الشيعة: ج ١، ص ١١٣.
[٢] الكافي: ج ٣، ص ١٠٦.
[٣] بحار الأنوار: ج ٨٩ ص ٤٢.