من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢١ - نحن خلقناكم فلولا تصدقون
هذا في الذرة التي نادى فيها بعض بمبدأ النظام في اللانظام. وأما في المجرة أكبر وحدة وجودية فإن أحدث النظريات الفلكية أثبتت أنه بالرغم من وجود نظام متناسق فيها فإن فيها مجالا واسعا لما نسميه بالصدف؟] [١].
فالنظام إذن ليس كل شيء، حتى نتخذه ربًّا- فهو بالإضافة إلى كونه دليلا إلى العليم العزيز الذي قدَّر- كما أن الأثر دليل على المؤثر- فإن هناك إرادة فوق النظام تمضيه أو تعطله متى ما شاءت وهي إرادة الله، ولقد أودع الله ثغرة في كل نظام وسنة تدل عليه، فهذا ماء المزن العذب يصيِّره ربنا أشد ملوحة من الملح إن شاء، فلا نقدر على شربه، أو يستحيل من سبب للحياة، إلى وسيلة للموت والدمار.
لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً يعني أشد ما تكون الملوحة، وربنا قادر على جعله كذلك حال كونه غيثا أو في مخازن الأرض، بحيث لا يؤثر قانون التبخر في فصل ماء البحر عن أملاحه، أو يجعل أساس تركيب الماء قائم بالملح فلا يمكن فصله عنه بالتحليل والتحلية كما يُفعل الآن لمياه البحار، أو أنه لا ينزله من السحاب فلا يجد الناس إلا ماء البحر الأجاج، ولكنه بلطفه جعل درجة تبخر الماء تختلف عن الأملاح، كما نظم دورة سقوط الغيث وجميع جوانب الحياة بالصورة التي تنسجم مع متطلبات حياتنا. وعدم جعله ماء شربنا أجاجا ليس لعجز في مشيئته، أو لأن القانون يفرض نفسه عليه بل لرحمته بنا، فلم يرد ذلك حيث وضع القوانين الأساسية للغيث وإذا شاء في المستقبل تغييرها فله البداء يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩].
وإدراكنا لهذه الحقيقة يعرفنا بخالقنا ويسوقنا إلى التصديق به وبقدرته المطلقة، وما يجب هو أن يصير التصديق مسؤوليةً وبرنامجاً عمليًّا في حياتنا، يفرض علينا التزامات يعبر عنها القرآن بالشكر فَلَوْلا تَشْكُرُونَ إذ لا فائدة من معرفة لا تقود إلى العمل، ولا معنى للتصديق إذا فُرِّغ من أهم مضامينه وأهدافه أي الشكر. والمهم هنا التذكير بأن الشكر لا ينحصر في تلك الأذكار المتعارف عليها، فهي جانب منها أو هي رمز لها أما الشكر الحقيقي فهو معرفة المنعم وتذكر نعمته عليه، والتصرف في النعمة حسب تعاليمه. وبالتالي التسليم الشامل له.
قال الإمام الصادق عليه السلام
«مَا مِنْ عَبْدٍ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَعَرَفَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ الله إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْمَدَهُ»
[٢] وقال
«شُكْرُ النِّعْمَةِ اجْتِنَابُ المَحَارِمِ، وتَمَامُ الشُّكْرِ قَوْلُ الرَّجُلِ
[١] الفكر الإسلامي: للمؤلف: ص ١٧٨ ١٧٧.
[٢] أصول الكافي: ج ٢، ص ٤٢٧.