من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٩ - نحن خلقناكم فلولا تصدقون
أَرَادُوا فَأَجَبْتَهُمْ ثُمَّ صَيَّرْتَهَا عَلَيْهِمْ ضَرَراً، فَقَالَ: يَا مُوسَى أَنَا كُنْتُ المُقَدِّرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يَرْضَوْا بِتَقْدِيرِي فَأَجَبْتُهُمْ إِلَى إِرَادَتِهِمْ فَكَانَ مَا رَأَيْتَ» [١].
ومن دقيق عبارة القرآن أنه لم يقل: أأنتم تخلقونه؛ كما هو حال الحويمن والجنين لأنه ليس من عاقل يدعي ذلك، وعملية النمو من البذرة حتى الثمرة تتم خارج إرادتنا وبعيدا عن أيدينا، ولأن نفي مجرد الزراعة ينفي الخلق بالتأكيد.
[٦٥- ٦٧] والدليل إلى أننا لسنا الزارعين، أن الله قادر على منع المطر، أو أن يسلط على حرثنا وباء فلا تقوم له قائمة، كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ [آل عمران: ١١٧]. ولا أحد يمنع قدرته عز وجل.
لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلَلْتُمْ تَتَفَكَّهُونَ قالوا: [تتكلمون في مجالسكم، من جهة التعجب والتندم على ما أنفقتم في الأرض لأجل الزرع، والمراد أنكم لا تقدرون أمام قدرة الله بجعله النبات هشيما إلا (على) التكلم فقط] [٢]. ولعل أصل الكلمة (فَكِهَ) يدل على الحديث غير الضروري وغير الجاد وغير الحق، ومنه سمي المزاح تَفَكُّهاً باعتباره لا يهدف بيان الحقيقة، كما سمي بالباطل. ومنه أيضا سميت (الثمرات) بالفاكهة باعتبارها غير ضرورية. ومن هنا قيل: التَّفَكُّه: التكلم فيما لا يعنيك ومنه قيل للمزاح فُكَاهة وهذا المعنى أقرب إلى الآية. حيث إن الإنسان يفقد الإرادة أمام المشاكل، ويتراكم عليه الهم والغم عند الخسارة وويلحقه الندم والشعور بالهوان فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر: ١٦]، حتى ليصبح حديثه عن ذلك أكله وشربه ومحوره الذي يدور حوله في كل لحظة، لعله يروِّح بذلك عن نفسه بعض الشيء.
والآراء التي ذكرها المفسرون في هذه الآية قريبة من هذا المعنى إذ قالوا: [تعجبون]، وقالوا: [تندمون] وقال بعضهم: [تتلاومون نادمين على ما حل بكم] [٣]. وربما كان المعنى الأخير أقرب والسياق التالي يدل عليه حيث إنهم كانوا يقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ وفي اللغة: [غَرِمَ أي خسر في التجارة، والغُرْم ما يعطى من المال على كره] [٤]. فالله القادر على جعل المزارع حطاما، وفرض الغرم علينا، بأن يرسل السماء بماء منهمر يغرق الحقول، أو يرسل أسراب الجراد فلا تبقي زرعا ولا ضرعا، أو يبعث ملايين الفئران تقضم الأخضر واليابس فنجد أنفسنا مغرمين خاسرين لكننا إذا تفكرنا بمنهج سليم، نكتشف أن الخسارة (الغرامة) التي
[١] الكافي: ج ٥، ص ٢٦٢.
[٢] تقريب القرآن إلى الأذهان: المجلد ٥، ج ٢٧، ص ٣١٩، ط ١- ١٤٢٤ ه-، عن دار العلوم.
[٣] تفسير القرطبي: ج ١٧، ص ٢١٦.
[٤] المنجد: مادة غرم.