من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٥ - نحن خلقناكم فلولا تصدقون
ويسخر بعض الباحثين من هذا الزعم ويضرب مثلا ويقول: لو فسر أحد ظهور موسوعة كبيرة تحوي مجلدات ضخمة وعلوم متنوعة بأن انفجارا وقع في مطبعة، ففاض الحبر على الأوراق صدفة، وارتسمت عليها صور الكلمات صدفة، وخرجت مجلدات الموسوعة بما فيها من ثقافة العصر، لو فسر أحد نشوء أعظم موسوعة بهذه الصدفة كم يكون كلامه باعثا للسخرية؟! كذلك الذي يدعي وجود خلية واحدة صدفة.
و [إن شواهد العمد والتصميم السابق متوافرة في كل حركة في الكون، فبالرغم من وجود سنن كونية تجري عبرها الكواكب والمنظومات، فإنها ليست كآلة ميكانيكية، بل إنما هي كسيارة في عراء قد استوى عليها صاحبها، وسيَّرها بقدرة وخبرة بالغة] [١]. (وحتى الحركة الميكانيكية تحتاج إلى محرك).
نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ كل شيء في الإنسان وفي الآفاق يهديه إلى تلك الحقيقة العظمى، وحتى أولئك الجاحدون لا ينكرونها بقناعة إنما كفروا وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل: ١٤]. إذن فنحن نحتاج فقط إلى النظر والتفكر في آيات الله بعيدا عن الحجب والخلفيات الخاطئة، حتى نصدق بذلك.
[٥٨- ٥٩] ويبدد القرآن الحجب التي تحول دون رؤية هذه الحقيقة والتصديق بها، فيقول أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ هذه القطرات التي تتدفق منك والتي لا تعرف منها شيئا كثيرا، هل تزعم أنك الذي تصنعها من صلبك، أو تهيئ أدوات قذفها حتى تحسب أنك الذي تخلقها؟.
وكان يستطيع القرآن أن يلقي علينا الحجة البالغة لو ساءلنا عن خلقه آدم وحواء ولكنه يدع ذلك الغيب إلى شهود يراه ويعايشه كل بشر (الإمناء) ويطرح السؤال التالي ءأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ من الذي أنشأ المني وهل كان بإمكانك إيجاده قبل البلوغ؟ وحين بلغت هل تكون بتدخل منك وعلم وتخطيط وإرادة؟ ثم كيف تطور الحويمن ونما من مرحلة إلى أخرى حتى يصير إنساناً سويًّا، إنه لا ريب ليس من صُنْع الإنسان، ولا بعلمه. إنما يتطور ضمن القوانين والسنن الإلهية، وبإرادة إلهية. إذ لا تعمل القوانين إلا بإذنه ذلك بأن لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى: ٤٩- ٥٠]. ثم إذا خرجنا من بطون أمهاتنا إلى الحياة، فإننا لا نملك أمام نمونا إلا التسليم بأنه ليس بفعلنا، إنما بفعل إرادة خارجة عن اختيارنا، هي إرادته عز وجل، فنحن لا نستطيع أن نمنع نمو شعرة واحدة في رأسنا، ولا ظفر واحد لأنهما ينموان بعيدا عن إرادتنا.
[١] الفكر الإسلامي: للمؤلف: ص ١٦١- ١٦٠.