من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٨ - هذا نزلهم يوم الدين
قطعه الإنسان على نفسه أمام الله في عالم الذر فإن أبرز مصاديق الحنث العظيم هو الشرك، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [النساء: ٤٨]، وكيف لا يكون المشرك من أصحاب المشأمة وقد قال الله إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: ٧٢]، ولا ينحصر الشرك في قول النصارى إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة: ٧٣]، ولا في قولهم إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة: ٧٢]، ولا في عبادة الأصنام والأوثان، بل في التسليم لأي منهج أو قيادة باطلة، فقد يكون الشرك سلوكاً اجتماعيًّا وقولًا باطلًا، قال الله تعالى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج: ٣٠- ٣١].
والآية تبين لنا حجم الذنب الذي يمارسه فريق المشأمة بثلاثة حدود: الأول: هو الإصرار الذي يجعل الذنب الصغير كبيرا، فكيف وهو واقع على ذنب كبير؟ والثاني: الحنث أي مخالفة ما تعهَّد به الشخص، وألزم نفسه باتباعه. ولا ريب أن مخالفته لا تنعكس على ضياع حقوق المجتمع، بل على سحق كرامة الحانث نفسه، حيث يسقط اعتباره وشخصيته فلا يعود أحد يثق به، بل لا يعود يثق هو بنفسه، ذلك أن أساس الأخلاق احترام الإنسان لنفسه، وثقته بكرامته، فإذا فقد ذلك فلا يبقى لديه أي أساس للالتزام بالقيم، والثالث: الشرك الذي هو أعظم الحنث، وعموما كل حنث عظيم، والذي يهتك أعظم عهد ويمين في حياته هل تبقى عنده حرمة واعتبارات لأي يمين وعهد آخر؟!.
ثالثاً: الجحود بالآخرة، الذي كان يتناسب مع الترف الذي يحصر الإنسان في حدود الدنيا، ومع الشرك الذي يبرر للنفس انحرافاتها وتبريها من المسؤولية، وهم لا يكفرون بها وحسب بل ويُسفِّهون فكرتها وقيمها عند الآخرين بالتشكيك فيها .. وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ للحساب والجزاء، وقولهم هذا يكشف عن شكهم في قدرة الله، وسعيهم لتشكيك الآخرين فيها، بأنه تعالى لا يقدر على بعث الخلق، وربنا يرد هذه الشبهة في الآيات القادمة: (٥٧- ٧٤).
وليس القول هنا مجرد الكلام، بل يشمل مجمل مواقفهم وسلوكهم، وكانوا يتساءلون تعميقا لشبهتهم: هل إن آباءنا الأولين الذين صاروا عظاما نخرة يبعثون أَوْ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ؟! وربما يستهدف تعرضهم لذكر الآباء الأولين بالذات إثارة ثقافة التخلف التي كانت تقدس الآباء في أعينهم، إثارتها في نفوس الناس لتكون حاجزا دون الإيمان بالبعث،