من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨١ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
[٧٦] لأن المؤمن يشتري راحة الآخرة بتعب الدنيا لعلمه بأن الذي يتخلف عن الحق هنا للراحة لا يجدها في الآخرة، أما المؤمنون وقد رهنوا أنفسهم للحق، وأجهدوها من أجله فإنهم يجلسون في غاية الراحة مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ جاء في المنجد: الرف: ما تهدل من الشجر والنبات، وكل ما فضل فثني، والرقيق من ثياب الديباج، وهي خرقة تحاط في أسفل الفسطاط (والخيمة) والعرب تقول: ضربت الريح رفرف الفسطاط أي ذيله، وهو ما تدلى من الدرع، ورفرف الدرع زرد يشد بالبيضة يطرحه الرجل على ظهره [١]. وقالت العرب لكل ثوب عريض رفوف، والذي يجمع هذه المسميات أنها ترف بفعل الريح أو الحركة، ولعل الرفوف المعني في الآية هي الوسائد والمساند المصنوعة من الديباج، وغير المحشوة كثيرا، فهي ترف كلما اتُكئ عليها، بل الحرير يرف لرقته، ونعومته كلما حرك أو ضربته الريح، أما العبقري فهي: البسط الموشاة بالحرير، وتقول العرب للثياب الحرير المصنوعة بدقة وإبداع عبقريات، مبالغة في حسنها، ويقال للإنسان: عبقري إذا تفتق عقله، وتفجرت مواهبه بما هو فوق المألوف، وربنا لم يقل وَعَبْقَرِيٍ وحسب بل أضاف إليها صفة حِسَانٍ مبالغة في حسنها، كما وصف الرفرف باللون الأخضر لأنه أجمل ما يمكن أن تكون عليه الوسائد لونا.
[٧٧] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وإن نعم الله التي تحيط بالإنسان والخليقة في الدنيا، ونعيمه الذي ينتظر المؤمنين به في الآخرة، لدليل على أنه الرحمن.
[٧٨] تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ وتبارك من الأسماء الأربعة [٢] الرئيسية لله وهي (سبحان، تعالى، وتبارك، والله)، وقال العلامة المجلسي رحمه الله: [وَأَمَّا تَبَارَكَ فَهُوَ مِنَ البَرَكَةِ وَهُوَ
[١] المنجد مادة (رف) بتصرف.
[٢] روى المحدث الشيخ الكليني في أصول الكافي: ج ١، ص ١١٣، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِالله عليه السلام قَالَ
«إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ اسْماً بِالحُرُوفِ غَيْرَ مُتَصَوَّتٍ، وَبِاللَّفْظِ غَيْرَ مُنْطَقٍ، وَبِالشَّخْصِ غَيْرَ مُجَسَّدٍ، وَبِالتَّشْبِيهِ غَيْرَ مَوْصُوفٍ، وَبِاللَّوْنِ غَيْرَ مَصْبُوغٍ مَنْفِيٌّ عَنْهُ الأَقْطَارُ مُبَعَّدٌ عَنْهُ الحُدُودُ مَحْجُوبٌ عَنْهُ حِسُّ كُلِّ مُتَوَهِّمٍ، مُسْتَتِرٌ غَيْرُ مَسْتُورٍ فَجَعَلَهُ كَلِمَةً تَامَّةً عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ مَعاً لَيْسَ مِنْهَا وَاحِدٌ قَبْلَ الآخَرِ فَأَظْهَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَسْمَاءٍ لِفَاقَةِ الخَلْقِ إِلَيْهَا وَحَجَبَ مِنْهَا وَاحِداً وَهُوَ الِاسْمُ المَكْنُونُ المَخْزُونُ. فَهَذِهِ الأَسْمَاءُ الَّتِي ظَهَرَتْ فَالظَّاهِرُ هُوَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَسَخَّرَ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ اسْمٍ مِنْ هَذِهِ الأَسْمَاءِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ فَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ رُكْناً ثُمَّ خَلَقَ لِكُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا ثَلَاثِينَ اسْماً فِعْلًا مَنْسُوباً إِلَيْهَا فَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ المَلِكُ القُدُّوسُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ الحَيُّ القَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ العَلِيمُ الخَبِيرُ السَّمِيعُ البَصِيرُ الحَكِيمُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ العَلِيُّ العَظِيمُ المُقْتَدِرُ القَادِرُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ البَارِئُ المُنْشِئُ البَدِيعُ الرَّفِيعُ الجَلِيلُ الكَرِيمُ الرَّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ البَاعِثُ الوَارِثُ فَهَذِهِ الأَسْمَاءُ وَمَا كَانَ مِنَ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى حَتَّى تَتِمَّ ثَلَاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ اسْماً فَهِيَ نِسْبَةٌ لِهَذِهِ الأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ اركان هَذِهِ الأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ أَرْكَانٌ وَحَجَبَ الِاسْمَ الوَاحِدَ المَكْنُونَ المَخْزُونَ بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى
قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى].