من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨ - إن عذاب ربك لواقع
[١١] وحين تواجه النفس البشرية حقائق عظيمة تثقل عليها تتهرب منها بالتكذيب بها زاعمة أن ذلك يجديها نفعا. ويوقفها القرآن أن التكذيب ليس لا يغني عنها شيئا، بل هو بذاته يستدرج عذابا عظيما، فلا فرار إلا إلى الله والتسليم للحقائق فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وبما أن المكذبين يعتمدون على قيم وعلاقات مادية، يزعمون أنها تنفعهم شيئا عندما يكذبون بالحقائق، فقد نسفها نسفا، وبيَّن أن النظام الكوني على عظمته لا يستقر يوم القيامة فكيف بهذه العلاقات والقيم؟.
[١٢] ويسقط المكذبون من حسابهم حقيقة الجزاء، فلا يشعرون بالمسؤولية، مما يجعل حياتهم عبثية، بعيدة عن الضوابط والكوابح، هائجة في غمرات اللهو واللعب الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ.
وهذا التعريف لشخصية المكذبين يهدينا إلى حقيقتين هامتين
الأولى: أن المكذب ليس الذي يقول ببطلان الرسالة الإسلامية وحسب، بل هو كل إنسان لا يتحمل المسؤولية في الحياة.
الثانية: أن المكذبين بالرسالة من أجل التهرب من تحمل المسؤولية، أَوَليست الرسالة تدعو إلى الجد والجهاد والإنفاق و ..، إذن فليكفروا بها لكيلا يتحملوا شيئا من ذلك! ولكن أين المفر من عذاب الله؟
[١٣] ولأن الحديث عن هذا الفريق من الناس فإن جرس الخطاب يأتي عنيفا وغليظا.
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً والدَّعُ ربما يكون الدفع بعنف وجفوة وتكرار، وقد يؤيده قوله تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ [الماعون: ١- ٢]، ولعل احتمال شمول كلمة (الدع) لمعنى التكرار يأتي نصًّا من وجود المفعول المطلق الجنس لا المفرد، فلم يقل الله: ويدعون دعة، إنما قال دَعّاً، ولعل المكذبين يحاولون يومئذ الخلاص من جهنم لعظيم عذابها، فلا يتقدمون إليها فيُدفعون نحوها مكرهين المرة بعد الأخرى.
[١٤] وعندما يوقفون عليها يأتيهم الخطاب هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ وهي جزء من تكذيبهم العام للحقائق التي جاءت بها الرسالة.
[١٥] وهناك حيث يرون جهنم ويصلون بنارها يُسألون أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ إن الحقائق الغيبية التي يتحدث عنها الوحي الإلهي ظاهرة كظهور الحقائق