من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٥ - كل يوم هو في شأن
إن الإنسان البسيط الذي يعيش على ساحل البحر، ويأكل ويسترزق من صيده نهارا ثم يعود إلى بيته ليلا كل يوم، يطبق من القوانين والسنن الحياتية الشيء القليل، أما الذي يعيش الحياة العلمية المعقدة، كرائد الفضاء الذي يريد الصعود إلى القمر، أو إلى كوكب آخر أرفع منه، فإنه لا ريب سيواجه عشرات الآلاف من القوانين، فهو بحاجة إلى معرفتها بدقة ليتسنى له القدرة على تسخيرها؛ لأن أعظم وسيلة لتسلط الإنسان على الطبيعة هي العلم، وقد أنعم الله علينا بذلك كما أودع الطبيعة حالة الاستجابة لنا.
ثم إن التكذيب بواحد من القوانين أو الحقائق الواقعية من قبلنا كفيل بأن يقطع الطريق علينا فلا نصل إلى ما نريد.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ إن من نعم الله علينا أن جعل نفاذنا من أقطار السماوات والأرض ممكناً، وجعل في ذلك خيراً كثيراً للبشرية، ولكننا قد نُكذِّب بهذه النعمة إذا كفرنا بهذه المقدرة رأساً كما فعل آباؤنا أو حققنا ذلك ثم سخّرناه في الأمور الضارة كالتكبر في الأرض، أو إذا عصينا ربنا بدل شكره على هذه النعمة الكبرى، وهو حينئذ سوف يعذبنا ولن نجد لنا وليًّا ولا نصيراً، حيث تجبهنا نار بلا دخان شديدة اللهب عظيمة الحر يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ، ولعل الآية هذه تشير هنا إضافة إلى الفكرة الآنفة إلى حقيقة علمية، وهي الأخطار التي تعترض طريق الإنسان في القضاء، وتمنعه من الوصول إلى النقطة التي يريد كالقمر، ومنها كما يصرح القرآن ويؤكده العلم الحديث الغازات المشتعلة. والكتل المعدنية الملتهبة التي تسمى بالنيازك والشهب، وهذه هي الأخرى بالإضافة إلى القوانين والموانع الأخرى التي تمنع النفاذ ينبغي للإنسان أن يتسلط عليها، فيقاومها وينتصر عليها أو يتجنبها.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فإذا كفرنا بهذه السنة وحاولنا النفاذ بلا سلطان اعترضتنا هذه العقبة .. كذلك حين يكفر الإنسان بواحدة من سنن الله في المجتمع والنفس فإنه يكتوي بنار لاهبة. أجارنا الله من نقماته في الدنيا وعذابه في الآخرة.