من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٢ - كل يوم هو في شأن
وهكذا القرآن لا يزال هو المقياس للحضارة، وإذا عارض نظرية علمية ما فإننا لا ريب سنجد قوله هو الثابت، وأما تلك النظرية فتذهب هباء.
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ هكذا يستثير القرآن التطلع الكامن داخل نفس الإنسان نحو العلم والمعرفة والتقدم، فهو يحدِّثه عن بساط الريح الذي كان لدى سليمان عليه السلام، وكيف أنه سخَّر الحياة من حوله (الجبال والجن والطير و ..) وجعلها في خدمة الحضارة البشرية، ليؤكد له أن الطريق سالك أمامه للوصول إلى هذه القمة السامقة من التحضر.
وبالطبع إنه لا يرسم خريطة عن المركبة الفضائية حينما يستثيرنا في هذه الآية عن إمكانية اختراق الفضاء، ولم تتنزل فيه سورة تحدثنا عن لغة الطير لماذا؟ لأنه ليس كتاباً تكنولوجيًّا وإن كان يشير إلى بعض الحقائق إشارة مباشرة، إنما هو كتاب حياة يستثيرنا نحو العلم، ويعطينا الثقة بأنفسنا، ويوجه عقولنا وقدراتنا في قنواتها الاستراتيجية الصحيحة، أما التقدم العلمي أو تحول التطلعات والحقائق التي يبينها إلى واقع فذلك من وظائف العقل البشري، ولو فعل ذلك لكان يشكل سقفاً للفكر وحدًّا للعقل وعقبة أمام التطور، والمطلوب أن يكون منهجا للفكر ومحرِّضا للعقل وباعثا نحو التطور.
والقرآن هنا وهو يريد أن يستثيرنا نحو تطلع حضاري كبير، هو اختراق الآفاق وتسخير رقعة أوسع في هذا الكون الرحيب الذي خُلق من أجلنا، في خدمة الحضارة البشرية، فإنه يدخل إلى ذلك بكلمة عميقة تحتمل من الأفكار الحضارية الشيء الكثير إذ يخاطبنا يَا مَعْشَرَ والمعشر هو من العِشْرة والتعاشر، وهو التجمع الذي تربطه ببعضه وشائج محددة، بل إن الكلمة تفيض بأوسع معاني التعاون الاجتماعي بين الأفراد، وبذلك يضع القرآن فكرة هامة أمام أبصارنا وبصائرنا، وهي أن المنجزات الحضارية الكبيرة كالنفاذ من الآفاق لا يمكن أن تنتقل من التطلع إلى الواقع العلمي والعملي، إلا بجهد جمعي تتعاون فيه القدرات، وتتلاقح فيه الأفكار، وتتكامل فيه المعارف، وتتضافر فيه الإرادات، ولم يكتف بذكر الإنس وحدهم، بل قال الجن والإنس وقد قدم القرآن الإنس على الجن حينما تحدث عن الخلق في الآيتين (١٤- ١٥) وهنا حدث العكس، وذلك لأن السياق في تلكما الآيتين يتناول الأفضلية فتقدم الإنسان لأنه الأفضل، والحديث في هذه الآية عن الأكثرية يَا مَعْشَرَ لذلك تقدم الجن وهم الأكثر، ويبدو أن سبب ذكر الجن في هذا السياق هو
١- أن القرآن رسالة كونية شاملة، وهي موجهة للجن كما هي موجهة إلى الإنس، فهما قد خلقا لهدف واحد هو العبادة وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]،