من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٤ - كل يوم هو في شأن
كما علم عباده الكثير من الشؤون والأمور عبر أنبيائه ورسله كالميزان، وقد روى الطبرسي في جوامع الجامع
«أنَّ جَبْرَائِيلَ عليه السلام نَزَلَ بِالمِيزَانِ فَدَفَعَهُ إِلَى نُوحٍ وَقَالَ: مُرْ قَوْمَكَ يَزِنْوُا بِهِ»
[١] والسفينة إلى الآن أفضل وسائل النقل التي اكتشفها البشر، فهي إذن نعمة إلهية، والقرآن يطرح بعد التذكرة بها هذا السؤال فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ أَوَيكفي العقل دليلا على ضرورة شكر من أسبغ علينا هذه النعم الجسيمة؟ بلى؛ ولكن ربنا الرحمن يزيد بلطفه على هدى العقل التذكرة بالوحي بالرغم من أن العقل حجته علينا بالغة، بل يُبَصِّرنا بنعمه من خلال الوحي ويستثير عقولنا ويشد أسرها في مواجهة هوى النفس وطباعها، فلا يقول أحد وقد كذَّب بآلاء الله إنها مجهولة لديه. وبعد هذا البيان والتأكيد لن يكون قصور الإنسان عن الشكر، ومعرفته ربه، بغفلة وقد سبق إليه منه الذكر بفضله، ولا بجهل وقد تقدم منه إليه العلم برحمته.
[٢٦- ٢٨] وبعد مخاطبة العقل بلغة الحقائق العلمية التي يراها البشر بعينه فتنفذ إلى ضميره يخاطب الوحي وجدان الإنسان مباشرة، ويهزه بأعظم الحقائق وطأة في نفسه. إنها حقيقة الموت والفناء التي يحاول دائما الفرار منها، فيعطي ماله أو يضحِّي بأعز الناس إليه وأقربهم منه لعله يفتدي نفسه منه أو يؤخره عنها ولو لسنة إضافية أو حتى بضعة أيام. وكما فناء الإنسان كذلك فناء الأشياء من حوله دليل وحدانية الله. وربنا يذكِّرنا بذلك بوصفه أعظم آية تهدينا إلى معرفته وتوحيده.
بلى؛ لقد دعانا الله إلى النظر في ظواهر الطبيعة، والتفكر فيها، ولكن من دون الانبهار بها، لأنها مجرد نعم وآيات يجب أن نؤدي شكرها ونهتدي بها إلى دلالاتها. إنها مُحْدَثَة فلا بد لها من خالق، وهي تفنى أو تموت فهي ليست إلهاً، لأن الإله لا يموت.
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ أي كل ما في الأرض بكله لا بعضه، ولكن الله لا يقول: ميت، لأن الموت يجري في الأحياء فقط، بل يقول: فانٍ، لأن الفناء يشمل كل شيء مخلوق. وفي دعاء إدريس النبي عليه السلام
«يَا بَدِيعَ البَدَائِعِ وَمُعِيدَهَا بَعْدَ فَنَائِهَا بِقُدْرَتِه» [٢].
وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ فما هو وجه الله الذي يبقى في حين يفنى كل شيء؟ إن الألفاظ تفقد ظواهرها التجسيدية لتبقى حقائقها عند الحديث عن ربنا القدوس سبحانه فليست يده سوى قدرته، وعينه إلا إحاطته علما وشهادته على كل شيء وهكذا وجهه، فإنه ما يتجلى به في الخليقة، حتى يعرفه بها من أراده، ويرى نوره من خلالها من أحبه، أَوَلسنا نحن البشر نرى نظراءنا من خلال أوجههم الظاهرة، وتعالى الله عن الأمثال، كذلك الوجه الظاهر لربنا دينه
[١] نور الثقلين: ج ٥، ص ٢٥٠.
[٢] بحارالأنوار: ج ٩٥، ص ٩٨.