من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٣ - كل يوم هو في شأن
ربه تنهمر عليه من كل حدب وصوب أَوَلا تكفيه دليلًا إلى ربه، وهاديا إلى معرفته، وباعثا له إلى شكره؟ لكنك ترى أكثر الناس يكذِّبون بالنعم ويقصِّرون في الشكر بل لا يشكرون أبداً، وحتى أولئك الذين يقضون سحابة أعمارهم في خوض لجج العلم أو متابعة قوانين الطبيعة عبر البحوث الميدانية، والاكتشافات الجديدة، لا ينطلقون من اكتشافاتهم إلى خلفياتها، حيث الإيمان برب العزة والرحمة، بل تراهم ينظرون إلى الحياة نظرة سطحية فلا يزدادون إلا ضلالا وتكذيبا بالحق، إنهم يقفون عند ذلك الحد ويظنون أنها التي تحرك الحياة ولا يتساءلون من الذي وضع القوانين والأنظمة والسنن؟! ومن الذي يُسيِّرها ويهيمن عليها؟!.
بلى؛ إن العلم الذي لا يتأسس بالإيمان والمعرفة بالله، قد يضر الإنسان أكثر مما ينفعه، لأنه قد يصبح وسيلة للكفر والتكذيب بالرب وإرادته فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
ومن آلائه السفن التي تحملنا إلى الأقطار المتباعدة في أسفارنا وتجارتنا ومظان الصيد، أترى لولاها هل استطعنا أن نركب البحر، أو وصلت أيدينا إلى كنوزه لحما وزينة؟؟ كلا .. ولهذا كان من البداهة في هذه السورة الرحمانية أن يحدثنا القرآن عن السفينة فور حديثه عن البحر.
وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ والجري هو المشي السريع ولا يقال للسفينة سارت، قال تعالى وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ [هود: ٤٢].
والمنشآت من الإنشاء والصناعة، وشبَّهها الله بالأعلام (الجبال) لارتفاعها كالعَلَم في البحر. وهذا المعنى يكون أكثر ظهورا في السفن الشراعية.
و السؤال لماذا لم يقل ربنا عند حديثه عن النعم الأخرى كالشمس والقمر، والنجم والشجر: إنها له، في حين قال هنا وَلَهُ الْجَوَارِ؟.
و الجواب: لأن الإنسان لا يستطيع أن يدَّعي ملكية تلك النعم، ولم تصل يده إليها في شيء، ولكنه قد يظن أنه مالك السفينة وخالقها، لأنه الذي خطط لصناعتها ونشر ألواحها وجمعها إلى بعضها بالدُّسُر والمسامير فهنا يحتاج إلى من يذكره أن صانع السفينة ذاته مخلوق الرب، وأنه لم ينشئها إلا بحوله وقوته وبما أودع الله فيه من عقل، وحكمة، وأعطاه من علم ومعرفة، وهَيَّأ له من فرص العمل .. فالسفينة لله، وهو الذي يجريها بقدرته في البحار. والبحَّارة يعرفون كم هي الأخطار العظيمة التي تحيط بهم، وهم يعتركون الأمواج الهادرة في أعالي البحار.
ثم إن ربنا هو الذي عَلَّم نبيه نوحا عليه السلام صناعة السفن وهو بدوره علمها للبشرية،