من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤١ - كل يوم هو في شأن
بينات من الآيات
[١٩- ٢١] ومن حركة الشروق والغروب في آفاق السماء، يأخذنا القرآن إلى مياه البحار التي تلتقي مختلفة مع بعضها دون أن تبغي أو تطغى.
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ وفي الآية إشارة إلى عدة ظواهر طبيعية، الأولى التقاء مياه البحار المالحة بالمياه الأخرى العذبة، كمياه الشط والأنهار، فإنها وإن كانت تلتقي مع بعضها ولكنها تبقى على طبيعتها لا تتغير لفترة من الوقت. وصورة أخرى من حكمة الرب أنه جعل الأنهار في كل العالم مرتفعة عن البحار، قال تعالى* وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً [الفرقان: ٥٣]. والظاهرة الثانية هي التقاء البحار حتى المالحة مع بعضها. إن ثلاثة أرباع كوكبنا يتكون من ماء البحار والمحيطات، وهي متصلة مع بعضها، والأرض في حركة دائمة حول نفسها وحول الشمس إلا أن منسوب المياه فيها كلها يبقى ثابتاً، ولم نجد يوما أنها انسكبت في بحر واحد ليطغى ماؤه مثلًا.
وحينما نبحث في الطبيعة من حولنا نجد شواهد أخرى لهذه الآية الكريمة، فإن شطري البيضة (الصفار والبياض) مهما رججتها لا يمتزجان، وكذلك بحار النور والظلمة في حركة الليل والنهار فإنهما يتحركان حركة ذاتية وبينهما نقطة التقاء دائمة ولكنهما لا يختلطان يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [فاطر: ١٣]، وحينما نعود من رحلة التفكر في الآفاق إلى شوط آخر من التفكر في أنفسنا نجد مظهرا لهذه الحقيقة في حياة الإنسان، حيث يلتقي ماء الرجل بماء المرأة ويكوِّنان النطفة التي تنمو حتى تصير خلقاً سويًّا ذكراً أو أنثى، وتظل خصائص المرأة وخصائص الرجل هي هي لا تتغير، بل إن المياه العذبة التي نستخرجها من باطن الأرض لشربنا تلتقي أحواضها مع مياه البحر التي تتشبع بها الأرض حتى الأعماق ولكن هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ [فاطر: ١٢]، وفي الواقع الاجتماعي يلتقي المؤمنون بالكافرين وتبقى بينهما الفواصل.
أما البرزخ الذي يقف حائلا بين البحرين فقد يكون جسماً ماديًّا كاليابسة تفصل بين بحر وآخر، ولو طغت البحار عليها لانعدمت حياة الإنسان فوقها، أو الغشاء الذي يمنع صفار البيض من الاختلاط ببياضها لو كانا يختلطان لما صلحت البيضة أن تكون فرخا ولانقرضت الطيور بأنواعها. وقد يكون البرزخ هو السنن والقوانين الطبيعية كالجاذبية والكثافة والخصائص المختلفة للخليطين، وقد يكون القيم والثقافة التي يؤمن بها كلا التجمعين الكافر