الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٦ - زارها ابن أبي عتيق و ابن أبي ربيعة و الأحوص فغنتهم
كجمر الغضى هبّت [١] به بعد هجعة
من الليل أرواح الصّبا فتنسّما [٢]
فقالت: جميل ما قلت و حسن ما نظمت، و إنّ صوتك يا مالك لممّا يزيد العقل قوّة و النفس طيبا و الطبيعة سهولة، و ما أحسب أن مجلسنا هذا إلّا سيكون علما و في آخر الزمان متواصفا؛ و الخبر ليس كالمشاهدة، و الواصف ليس كالمعاين و خاصّة في الغناء.
زارها ابن أبي عتيق و ابن أبي ربيعة و الأحوص فغنّتهم
: و حدّثني الحسن بن عتبة اللّهبيّ قال حدّثني من رأى ابن أبي عتيق و ابن أبي ربيعة و الأحوص بن محمد الأنصاريّ و قد أتوا منزل جميلة فاستأذنوا عليها فأذنت لهم، فلما جلسوا سألت عمر و أحفت؛ فقال لها: إنّي قصدتك من مكة للسلام عليك. فقالت له: أهل الفضل أنت. قال: و قد أحببت أن تفرّغي لنا نفسك اليوم و تخلي لنا مجلسك؛ قالت: أفعل. قال لها الأحوص: أحبّ ألّا تغنّي إلّا ما أسألك. قالت: ليس المجلس لك، و القوم شركاؤك فيه. قال: أجل. قال عمر: إن ترد أن تفعل ذلك بك يكن. قال الأحوص: كلّا!. قال عمر: فإنّي أرى أن نجعل الخيار إليها. قال ابن أبي عتيق: وفّقك اللّه. فدعت بالعود و غنّت:
/
تمشي الهوينى إذا مشت فضلا
مشي النّزيف المخمور في الصّعد [٣]
تظلّ من زور [٤] بيت جارتها
واضعة كفّها على الكبد
/ يا من لقلب متّيم سدم
عال رهين مكلّم كمد [٥]
أزجره و هو غير مزدجر
عنها و طرفي مكحّل السّهد
فلقد سمعت للبيت زلزلة و للدار همهمة. فقال عمر: للّه درّك يا جميلة! ما ذا أعطيت! أنت أوّل الغناء و آخره!. ثم سكتت ساعة و أخذوا في الحديث، ثم أخذت العود و غنّت:
شطّت سعاد و أمسى البين قد أفدا
و أورثوك سقاما يصدع الكبدا
لا أستطيع لها هجرا و لا ترة
و لا تزال أحاديثي بها جددا
- الغناء فيه لسياط خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. و لم يذكر حبش لحن جميلة. و ذكر إبراهيم أن فيه لحنا لحكم الوادي. و ذكر الهشاميّ و ابن خرداذبه أنه من ألحان عمر بن عبد العزيز بن مروان في سعاد [٦] و أن طريقته من الثقيل الثاني بالوسطى. و ذكر إبراهيم أن لابن جامع فيه أيضا صنعة- فاستخفّ [٧] القوم أجمعين، و صفقوا بأيديهم و فحصوا بأرجلهم و حرّكوا رءوسهم، و قالوا: نحن فداؤك من السوء و وقاؤك من المكروه، ما أحسن ما غنّيت و أجمل ما قلت!. و أحضر الغداء فتغدّى القوم بأنواع من الأطعمة الحارّة و الباردة و من الفاكهة
[١] كذا في «ديوانه». و في الأصول: «له».
[٢] كذا في «ديوانه». و في الأصول: «فتبسما» و هو تصحيف.
[٣] تمشي فضلا أي تمشي مبتذلة في ثوب واحد. و النزيف: السكران. و الصعد: الصعود و الارتفاع و يريد هنا المكان العالي.
[٤] الزور. مصدر كالزيارة.
[٥] السدم: الشديد العشق المهموم الحزين. و المكلم: المجرح.
[٦] راجع هذه الألحان في «ج ٨ ص ١٥٨ من الأغاني طبع بلاق».
[٧] مرجع الضمير في «استخف» الغناء المفهوم من قوله: «و غنت».