الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣٠ - نعي جميل و حزن بثينة عليه
أ لم تعلمي يا عذبة الرّيق أنّني
أظلّ إذا لم أسق ريقك صاديا
قال: فرقّت له بثينة، و قالت لمولاة لها كانت معها: ما أحسن الصدق بأهله! ثم اصطلحا. فقالت له بثينة: أنشدني قولك:
تظلّ وراء السّتر ترنو بلحظها
إذا مرّ من أترابها من يروقها
فأنشدها إيّاها؛ فبكت و قالت: كلّا يا جميل! و من ترى أنه يروقني غيرك!.
نعي جميل و حزن بثينة عليه
: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبي قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال ذكر أيوب بن عباية قال: خرجت من تيماء في أغباش [١] السّحر، فرأيت عجوزا على أتان، فتكلّمت فإذا أعرابية فصيحة. فقلت: ممن أنت؟ فقالت: عذريّة. فأجريت ذكر جميل و بثينة؛ فقالت: و اللّه إنّا لعلى ماء لنا بالجناب و قد تنكّبنا الجادّة [٢] لجيوش كانت تأتينا من قبل الشأم تريد الحجاز، و قد خرج رجالنا لسفر و خلّفوا معنا أحداثا؛ فانحدروا ذات عشيّة إلى صرم [٣] قريب منا يتحدّثون إلى جوار منهم، فلم يبق غيري و غير بثينة، إذ انحدر علينا منحدر من هضبة تلقاءنا، فسلّم و نحن مستوحشون وجلون. فتأمّلته و رددت السلام فإذا جميل. فقلت: أ جميل؟ قال: إي و اللّه؛ و إذا به لا يتماسك جوعا، فقمت إلى قعب لنا فيه أقطّ [٤] مطحون و إلى عكّة [٥] فيها سمن و ربّ [٦]، فعصرتها على الأقط/ ثم أدنيتها منه و قلت:
أصب من هذا، فأصاب منه؛ و قمت إلى سقاء فيه لبن فصببت عليه ماء باردا فشرب منه و تراجعت نفسه. فقلت له: لقد بلغت و لقيت شرّا، فما أمرك؟ قال: أنا و اللّه في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث ما أريمها أنتظر أن أرى فرجة، فلما رأيت منحدر فتيانكم أتيتكم لأودّعكم و أنا عامد إلى مصر. فتحدّثنا ساعة ثم ودّعنا و شخص، فلم تطل غيبته أن جاءنا نعيه. فزعموا أنه قال حين حضرته الوفاة:
صدع [٧] النّعيّ و ما كنى بجميل
و ثوى بمصر ثواء غير قفول
و لقد أجر الذّيل في وادي القرى
نشوان بين مزارع و نخيل
قومي بثينة فاندبي بعويل
و ابكي خليلك دون كلّ خليل
أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثني محمد بن القاسم عن الأصمعيّ قال: حدّثني رجل شهد جميلا لمّا حضرته الوفاة بمصر أنه دعاه فقال: هل لك في أن أعطيك كلّ ما أخلّفه على أن تفعل شيئا أعهده إليك؟ فقال قلت:
اللهم نعم. قال: إذا أنا متّ فخذ حلّتي هذه التي في عيبتي فاعزلها جانبا ثم كلّ شيء سواها لك، و ارحل إلى رهط بني الأحبّ من عذرة- و هم رهط بثينة- فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه و اركبها، ثم البس حلّتي هذه و اشققها
[١] الغبش: ظلمة آخر الليل.
[٢] الجادة: الطريق.
[٣] الصرم: الجماعة من الناس ليسوا بالكثير.
[٤] الأقط (بفتح فكسر)، و فيه لغات أخرى هذه أفصحها: لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به.
[٥] العكة: زقيق صغير للسمن.
[٦] الرب: ما يطبح من التمر.
[٧] صدع: جاهر و صرح.