الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٥ - حديثه مع ذي الرمة و هشام المرئي
فلمّا رآنا أهل مرأة أغلقوا
مخادع [١] لم ترفع لخير ظلالها
و قد سمّيت باسم امرئ القيس قرية
كرام صواديها [٢] لئام رجالها
/ يظلّ الكرام المرملون بجوّها
سواء عليهم حملها و حيالها [٣]
و لو وضعت أكوارها عند بيهس
على ذات غسل لم تشمّس رحالها [٤]
فقال جرير لهشام، و كان يتّهم ذا الرّمة بهجائه التّيم و هم إخوة عديّ: عليك العبد (يعني ذا الرّمة). قال: فما أصنع يا أبا حزرة و هو يقول القصيد و أنا أقول الرّجز، و الرجز لا يقوم للقصيد؟ فلو رفدتني! قال: قل له:
عجبت لرجل من عديّ مشمّس
و في أيّ يوم لم تشمّس رحالها
و فيم عديّ عند تيم من العلا
و أيّامنا اللّاتي يعدّ فعالها
مددت بكفّ من عديّ قصيرة
لتدرك من زيد يدا لا تنالها
و ضبّة عمّي يا ابن جلّ [٥] فلا ترم
مساعي قوم ليس منك سجالها
يماشي عديّا لؤمها ما تجنّه
من الناس ما ماشت عديّا ظلالها
فقل لعديّ تستعن بنسائها
عليّ فقد أعيا عديّا رجالها
/ أ ذا الرّمّ قد قلّدت [٦] قومك رمّة
بطيئا بأيدي المطلقين انحلالها
ترى اللّؤم ما عاشت عديّ مخلّدا
سرابيلها منه و منه نعالها
قال: فلجّ الهجاء بين ذي الرمّة و هشام. فلما أنشد المرئيّ هذه الأبيات و سمعها ذو الرّمّة قال: كذب العبد السّوء! ليس هذا الكلام له، هذا كلام نجديّ حنظليّ،/ هذا كلام ابن [٧] الأتان. قال: و لم يزل ذو الرمّة مستعليا على هشام حتى لقيه جرير فرفده هذه الأبيات.
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عدنان قال حدّثني أبو صخر [٨] من ولد حجناء بن نوح بن جرير قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه قال:
أتى هشام بن قيس المرئيّ أبي (يعني جريرا) فاسترفده على ذي الرمّة، و قد كانا تهاجيا دهرا، و كان سبب ذلك
[١] المخادع: البيوت.
[٢] الصوادي: النخل التي لا تسقى و إنما تشرب بعروقها، الواحدة صادية.
[٣] أرمل القوم: فني زادهم. يقول: سواء عليهم أحالت نخيلهم أم حملت، فهم لا ينالهم منها شيء.
[٤] بيهس و ذات غسل: سيذكرهما المؤلف بعد قليل. لم تشمّس رحالها: لم تعرّض للشمس. يريد أنها لا تهمل بل تكرم بإدخالها البيوت.
[٥] كذا في نسخة الشنقيطي مصححة بقلمه، و هو جل بن عدي، رجل من مضر رهط ذي الرمة العدوي. و في الأصول: «خل» بالخاء المعجمة، و هو تصحيف.
[٦] كذا في ج و نسخة الشنقيطي مصححة بقلمه و ترجمة ذي الرمة (ص ١١٧ ج ١٦ من «الأغاني» طبع بلاق). و في سائر الأصول: «قد قلدن» بالنون و هو تصحيف. و الرمة: الحبل يقلد به البعير.
[٧] ابن الأتان: لقب كان ينبز به جرير.
[٨] في ب، س: «أبو صخرة».