الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٢٨ - قال إني فضلت الشعراء و أنشد من عيون شعره
هو و زفر بن الحارث في حضرة عبد الملك بن مروان
: و قال هارون بن الزيّات حدّثني أحمد بن إسماعيل الفهريّ عن أحمد [١] بن عبد العزيز بن عليّ بن ميمون عن معن بن خلاد عن أبيه قال:
لمّا استنزل عبد الملك زفر بن الحارث الكلابيّ من قرقيسيا [٢]، أقعده معه على سريره؛ فدخل عليه ابن ذي الكلاع [٣]. فلما نظر إليه مع عبد الملك على السرير بكى. فقال له: ما يبكيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، كيف لا أبكي و سيف هذا يقطر من دماء قومي في طاعتهم لك و خلافه عليك، ثم هو معك على السرير و أنا على الأرض! قال: إني لم أجلسه معي أن يكون أكرم عليّ منك؛ و لكنّ لسانه لساني و حديثه يعجبني. فبلغت الأخطل و هو يشرب فقال: أما و اللّه لأقومنّ في ذلك مقاما لم يقمه ابن ذي الكلاع! ثم خرج حتى دخل على عبد الملك. فلما ملأ عينه منه قال:
و كأس مثل عين الدّيك صرف
تنسّي الشاربين لها العقولا
إذا شرب الفتى منها ثلاثا
بغير الماء حاول أن يطولا
مشى قرشيّة لا شكّ فيها
و أرخى من مآزره الفضولا
/ فقال له عبد الملك: ما أخرج هذا منك يا أبا مالك إلا خطّة في رأسك. قال: أجل و اللّه يا أمير المؤمنين حين تجلس عدوّ اللّه هذا معك على السرير و هو القائل بالأمس:
و قد ينبت المرعى على دمن الثّرى [٤]
و تبقى حزازات النفوس كما هيا
/ قال: فقبض عبد الملك رجله ثم ضرب بها صدر زفر فقلبه عن السرير و قال: أذهب اللّه حزازات تلك الصدور.
فقال: أنشدك اللّه يا أمير المؤمنين و العهد الذي أعطيتني!. فكان زفر يقول: ما أيقنت بالموت قطّ إلا تلك الساعة حين قال الأخطل ما قال.
قال إني فضلت الشعراء و أنشد من عيون شعره
: و قال هارون بن الزيّات حدّثني هارون بن مسلم عن سعيد بن الحارث عن عبد الخالق بن حنظلة الشّيبانيّ قال:
قال الأخطل: فضلت الشعراء في المديح و الهجاء و النّسيب بما لا يلحق بي فيه. فأمّا النّسيب فقولي:
ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر
و إن كان حيّانا عدى [٥] آخر الدّهر
[١] كذا ورد هذا الاسم في الأصول.
[٢] قرقيسيا: بلد على الفرات قرب رحبة مالك بن طوق.
[٣] هو ابن ذي الكلاع الحميري، شهد صفين مع معاوية، و كان من رحالاته. (انظر «الطبري» ق ١ ص ٣٢٧٢، ٣٢٨٣، ٣٢٨٦ طبع أوروبا).
[٤] يقول: قد يبدو على وجه المرء البشر و في قلبه الحقد و العداوة، مثل نبات الدمن يبدو حسن المنظر و منبته خبيث وبيء.
[٥] كذا في «ديوانه» طبع بيروت (ص ١٢٨) و «تجريد الأغاني» و نسخة الشنقيطي مصححة بقلمه. و في الأصول:
«و إن كان حيّا قاعدا ...
إلخ» و هو تحريف.