الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٢٥ - لقي بثينة و رصده أهلها فهددهم ثم هجرته بثينة و شعره في ذلك
و قرّبن أسباب الهوى لمتيّم
بقيس ذراعا كلّما قسن إصبعا
قال: فصاح جميل و استخذى و قال: ألا إن النّسيب أخذ من هذا، و ما أنشده حرفا، فقال له عمر: اذهب بنا إلى بثينة حتى نسلّم عليها. فقال له جميل: قد أهدر لهم السلطان دمي إن وجدوني عندها، و هاتيك أبياتها. فأتاها عمر حتى وقف على أبياتها و تأنّس حتى كلّم؛ فقال:/ يا جارية، أنا عمر بن أبي ربيعة، فأعلمي بثينة مكاني. فخرجت إليه بثينة في مباذلها و قالت: و اللّه يا عمر لا أكون من نسائك اللّاتي يزعمن أن قد قتلهنّ الوجد بك؛ فانكسر عمر؛ قال و إذا امرأة أدماء طوالة.
و أخبرني بهذا الخبر عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن المسيّبيّ و الزّبير فذكر مثل ما ذكره الزبير و زاد فيه قال: فقال لها قول جميل:
/
و هما قالتا لو أنّ جميلا
عرض اليوم نظرة فرآنا
بينما ذاك منهما و إذا بي [١]
أعمل النّصّ [٢] سيرة زفيانا
نظرت نحو تربها ثم قالت
قد أتانا- و ما علمنا- منانا
فقالت: إنه استملى منك فما أفلح؛ و قد قيل: اربط الحمار مع الفرس، فإن لم يتعلّم من جريه تعلّم من خلقه.
لقي بثينة و رصده أهلها فهددهم ثم هجرته بثينة و شعره في ذلك
: و ذكر الهيثم بن عديّ و أصحابه في أخبارهم: أن جميلا طال مقامه بالشأم ثم قدم، و بلغ بثينة خبره فراسلته مع بعض نساء الحيّ تذكر شوقها إليه و وجدها به و طلبها للحيلة في لقائه، و واعدته لموضع يلتقيان فيه؛ فسار إليها و حدّثها طويلا و أخبرها خبره بعدها. و قد كان أهلها رصدوها، فلما فقدوها تبعها أبوها و أخوها حتى هجما عليهما، فوثب جميل فانتضى سيفه و شدّ عليهما فاتّقياه بالهرب؛ و ناشدته بثينة اللّه إلّا انصرف، و قالت له: إن أقمت فضحتني، و لعل الحيّ أن يلحقوك. فأبى و قال: أنا مقيم و امضي أنت و ليصنعوا ما أحبّوا. فلم تزل تناشده حتى انصرف. و قال في ذلك و قد هجرته و انقطع التلاقي بينهما مدّة:
أ لم تسأل الربع الخلاء فينطق
و هل تخبرنك اليوم بيداء سملق [٣]
وقفت بها حتى تجلّت عمايتي
و ملّ الوقوف الأرحبيّ [٤] المنوّق
تعزّ و إن كانت عليك كريمة
لعلّك من رقّ لبثنة تعتق
لعمركم إن البعاد لشائقي
و بعض بعاد البين و النأي أشوق
/ لعلّك محزون و مبد صبابة
و مظهر شكوى من أناس تفرّقوا
و بيض غريرات تثنّي خصورها
إذا قمن أعجاز ثقال و أسؤق
[١] كذا في ح و في سائر الأصول: «و أتاني» و هو تحريف.
[٢] النص: السير الشديد. و زفيانا: سريعا.
[٣] سملق: مقفرة لا نبات بها. و قد وردت هذه القصيدة. في «منتهى الطلب من أشعار العرب» مختلفة الألفاظ عما هنا.
[٤] الأرحبيّ: النجيب من الإبل، ينسب إلى قبيلة بني أرحب. و المنوّق: الذلول.