الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٥٣ - تفضيل سكينة بنت الحسين له على الفرزدق
جرير و سكينة بنت الحسين:
قال المدائنيّ و حدّثني عوانة بن الحكم قال:
جاء جرير إلى باب سكينة بنت الحسين عليه السّلام يستأذن عليها فلم تأذن له، و خرجت إليه جارية لها فقالت: تقول لك سيّدتي: أنت القائل:
طرقتك صائدة القلوب و ليس ذا
حين الزيارة فارجعي بسلام
قال نعم. قالت: فألّا أخذت بيدها فرحّبت بها و أدنيت مجلسها و قلت لها ما يقال لمثلها! أنت عفيف و فيك ضعف، فخذ هذين الألفي الدرهم فالحق بأهلك.
تفضيل سكينة بنت الحسين له على الفرزدق
: قال المدائنيّ في خبره هذا و حدّثني أبو يعقوب الثّقفيّ عن الشّعبيّ: أنّ الفرزدق خرج حاجّا؛ فلما قصى حجّه عدل إلى المدينة فدخل إلى سكينة بنت الحسين عليهما السلام فسلّم. فقالت له: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال:
أنا. قالت: كذبت! أشعر منك الذي يقول:
بنفسي من تجنّبه عزيز
عليّ و من زيارته لمام
و من أمسي و أصبح لا أراه
و يطرقني إذا هجع النّيام
فقال: و اللّه لو أذنت لي لأسمعتك أحسس منه. قالت: أقيموه فأخرج ثم عاد إليها من الغد فدخل عليها، فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس. قال: أنا. قالت: كذبت! صاحبك جرير أشعر منك حيث يقول:
لو لا الحياء لعادني استعبار
و لزرت قبرك و الحبيب يزار
كانت إذا هجر الضّجيع فراشها
كتم الحديث و عفّت الأسرار [١]
/ لا يلبث القرناء أن يتفرّقوا
ليل يكرّ عليهم و نهار
/ فقال: و اللّه لئن أذنت لي لأسمعنّك أحسن منه، فأمرت به فأخرج. ثم عاد إليها في اليوم الثالث و حولها مولّدات لها كأنهنّ التماثيل؛ فنظر الفرزدق إلى واحدة منهنّ فأعجب بها و بهت ينظر إليها. فقالت له سكينة: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت! صاحبك أشعر منك حيث يقول:
إنّ العيون التي في طرفها مرض
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك به
و هنّ أضعف خلق اللّه أركانا
أتبعتهم مقلة إنسانها غرق
هل ما ترى تارك للعين إنسانا
فقال: و اللّه لئن تركتني لأسمعنّك أحسن منه؛ فأمرت بإخراجه. فالتفت إليها و قال: يا بنت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلّم- إنّ لي
[١] الضجيع: الحليل، و هجره هاهنا أن يغيب عنها فيهجر فراشها، فأما إذا أقربت فهي أكرم عليه من أن يهجر فراشها. و كتم الحديث أي لا تحدث أحدا بريبة. و السر هو النكاح، و منه قوله تعالى: وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا. يصفها بأن ليس عندها إلا العفاف.
(عن «النقائض»).