الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٣ - رأي بشار فيه و في صاحبيه و رثاؤه ابنه
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلّام قال: تذاكروا جريرا و الفرزدق في حلقة يونس [١] بن معاوية بن أبي عمرو بن العلاء و خلف الأحمر و مسمع و عامر ابنا عبد الملك المسمعيّان، فسمعت عامرا و هو شيخ بكر بن وائل يقول: كان جرير و اللّه أنسبهما و أسبّهما و أشبههما.
سمع الراعي شعره فأقرّ بأنه جدير بالسبق
: قال ابن سلّام: و حدّثني أبو البيداء قال: مرّ راكب بالراعي و هو يغنّي بيتين لجرير، و هما:
و عاو عوى من غير شيء رميته
بقارعة أنفاذها تقطر الدّما
خروج بأفواه الرّواة كأنّها
قرا هندوانيّ [٢] إذا هزّ صمّما
فأتبعه الراعي رسولا يسأله لمن البيتان؟ قال: لجرير. قال: لو اجتمع على هذا جميع الجنّ و الإنس ما أغنوا فيه شيئا. ثم قال لمن حضر: ويحكم أ ألام على أن يغلبني مثل هذا!.
رأي بشار فيه و في صاحبيه و رثاؤه ابنه
: قال ابن سلّام: و سألت بشّارا المرعّث: أيّ الثلاثة أشعر؟ فقال: لم يكن الأخطل مثلهما و لكنّ ربيعة تعصّبت له و أفرطت فيه. قلت: فهذان؟ قال: كانت لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق، و لقد ماتت النّوار فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير. فقلت لبشّار: و أيّ شيء لجرير من المراثي إلّا التي رثى بها امرأته! فأنشدني لجرير يرثي ابنه سوادة و مات بالشأم:
قالوا نصيبك من أجر لهم
كيف العزاء و قد فارقت أشبالي
/ فارقتني حين كفّ الدهر من بصري
و حين صرت كعظم الرّمة البالي
أمسى سوادة يجلو مقلتي لحم [٣]
باز يصرصر فوق المربأ العالي
قد كنت أعرفه منّي إذا غلقت
رهن الجياد و مدّ الغاية الغالي [٤]
إنّ الثّويّ [٥] بذي الزّيتون فاحتسبي
قد أسرع اليوم [٦] في عقلي و في حالي
إلّا تكنّ لك بالدّيرين معولة
فربّ باكية بالرّمل معوال
[١] وردت هذه العبارة هكذا في جميع الأصول. و لعل الصواب فيها: في حلقة يونس بن حبيب و فيها أبو عمرو بن العلاء ... إلخ» لأن الذي كانت له حلقة بالبصرة هو يونس بن حبيب و كان يقصده طلبة العربية و فصحاء الأعراب و البادية. و كان من معاصري أبي عمرو بن العلاء و خلف الأحمر و المسمعيين المذكورين هنا، و هم الذين تكررت رواية محمد بن سلام عنهم في «طبقاته»، و كانوا يتزاورون و يتذاكرون في المسائل العربية و غيرها و لهم مجالس معروفة في ذلك. (راجع «الأمالي» لأبي علي القالي ج ١ ص ٤٨ طبعة دار الكتب المصرية و «طبقات ابن سلام» طبعة أوروبا و «نزهة الألبا في طبقات الأدبا» لابن الأنباري).
[٢] الهندواني (بكسر الهاء و تضم): المنسوب للهند، و هي نسبة شاذة.
[٣] اللحم: البازي الذي يأكل اللحم أو يشتهيه. و صرصر: صوّت و صاح أشد الصياح. و المربأ: المرقب.
[٤] الغالي: الرامي بالسهام.
[٥] الثويّ المقيم.
[٦] كذا في أكثر الأصول و «تجريد الأغاني» و «ديوانه». و في ب، س: «الموت».