الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٤ - واعدته بثينة فمنعها أهلها فقرعه نساء الحي، و شعره في ذلك
عجل الفراق و ليته لم يعجل
و جرت بوادر دمعك المتهلّل
طربا و شاقك ما لقيت و لم تخف
بين الحبيب غداة برقة مجول [١]
و عرفت أنك حين رحت و لم يكن
بعد اليقين و ليس ذاك بمشكل
لن تستطيع إلى بثينة رجعة
بعد التفرّق دون عام مقبل
قال: و إنّ بثينة لمّا أخبرت أن جميلا قد نسب بها حلفت باللّه لا يأتيها على خلاء إلّا خرجت إليه و لا تتوارى منه، فكان يأتيها عند غفلات الرجال فيتحدّث إليها و مع أخواتها، حتى نمي إلى رجالها أنه يتحدّث إليها إذا خلا منهم، و كانوا أصلافا غيرا- أو قال غيارى- فرصدوه بجماعة نحو من بضعة عشر رجلا و جاء على الصّهباء [٢] ناقته حتى وقف على بثينة و أمّ الجسير و هما يحدّثانه و هو ينشدهما يومئذ:
حلفت بربّ الراقصات إلى منّى
هويّ القطا يجتزن بطن دفين [٣]
لقد ظنّ هذا القلب أن ليس لاقيا
سليمى و لا أمّ الجسير لحين
فليت رجالا فيك قد نذروا دمي
و همّوا بقتلي يا بثين لقوني
فبينا هو على تلك الحال إذ وثب عليه القوم فرماهم بها فسبقت به و هو يقول:
إذا جمع الاثنان [٤] جمعا رميتهم
بأركانها حتى تخلّى سبيلها
فكان هذا أوّل سبب المهاجاة بينه و بين عبيد اللّه بن قطبة.
واعدته بثينة فمنعها أهلها فقرّعه نساء الحي، و شعره في ذلك
: أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثنا بهلول بن سليمان عن مشيخة من عذرة:
أنّ بثينة [٥] واعدت جميلا أن يلتقيا في بعض المواضع فأتى لوعدها. و جاء أعرابيّ يستضيف القوم فأنزلوه و قروه؛ فقال لهم: قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرّقين متوارين في الشجر، و أنا خائف عليكم أن يسلبوا بعض إبلكم؛ فعرفوا أنه جميل و صاحباه، فحرسوا بثينة و منعوها من الوفاء بوعده. فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيئ الظنّ بها و رجع إلى/ أهله؛ فجعل نساء الحيّ يقرّعنه بذلك و يقلن له: إنما حصلت منها على الباطل و الكذب و الغدر، و غيرها أولى بوصلك منها، كما أنّ غيرك يحظى بها. فقال في ذلك:
[١] كذا في «معجم البلدان» لياقوت و «شرح القاموس»، و ذكر شارح القاموس أنه موضع. و في الأصول: «برقة محول» بالحاء المهملة.
[٢] في ج: «الشهباء».
[٣] دفين: اسم موضع كما في «شرح القاموس» (مادة دفن).
[٤] وردت هذه الكلمة في الأصول، و لعلها محرفة عن الشنان و هو البغض و العداوة.
[٥] ورد هذا الخبر في أ، ء، م، ح هكذا: «... عن مشيخة من عذرة و بلى أن رهط بثينة نذروا دم جميل و سمعوا أنه قد أمسى بوادي القرى و هو يريد طريق مكة فخرج منهم ركبان فتقدموا فوجدوه على مضيق من الطريق بسند الوادي فأخذوا جانبي القرى بأخذه السيل و هو جهد ما يخرج منه الراحلة و الشق بعض إبلكم ... إلخ» و هو غير واضح.