الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٠٤ - بينه و بين أنس بن زنيم في حضرة ابن زياد
بينه و بين أنس بن زنيم في حضرة ابن زياد
: أخبرني [١] عمي، قال: أنبأنا الكراني، قال: أنبأنا العمري، عن عطاء بن مصعب، عن عاصم بن الحدثان، قال:
دخل أنس بن زنيم على عبيد اللّه بن زياد، و عنده حارثة بن بدر، و كان بينهما تعارض و مقارضة قبل ذلك، فلما خرج أنس قال عبيد اللّه لحارثة: أيّ رجل هو أنس عندك؟ قال: هو عندي- أصلح اللّه الأمير- كما قلت فيه:
يبيت بطينا من لحوم صديقه
خميصا من التّقوى و من طلب الحمد
ينام إذا ما الليل جنّ ظلامه
و يسري إلى حاجاته نومة الفهد [٢]
يراعي عذارى قومه كلما دجا
له الليل و السو كالأسد الورد
جريئا على أكل الحرام و فعله
جبانا عن الأقران معترم الكرد [٣]
فلما كان من الغد، دخل أنس على عبيد اللّه، فقال له عبيد اللّه، بحضرة حارثة: إني سألت هذا عنك فأخبرني بما كرهته لك، و لم أكن إخالك كما نعتّ لي- فقال: أصلح اللّه الأمير، إن يكن قال خيرا فأنا أهله، و إن قال غير ذلك فلم يعد ما هو أولى به منّي، أما و اللّه لو كان- أصلح اللّه الأمير- حقّا، لحفظ غيبتي، فلقد أوليته حسن الثّناء بما ليس أهله، و اللّه يعلم أني كنت كاذبا، و ما إخال ما قاله فيّ إلّا عقوبة، فإن عقوبة الكذب حاضرة، و ثمرة الكذب الندامة، فقد لعمري أجنيتها بكذبي و قولي فيه ما ليس فيه. و هو عندي كما أقول- أصلح اللّه الأمير- و أنشد:
/
يحلى لي الطرف ابن بدر و إنني
لأعرف في وجه ابن بدر لي البغضا
رآني شجّا في حلقه ما يسيغه
فما إن يزال الدهر يجرض بي جرضا [٤]
و ما لي من ذنب إليه علمته
سوى أن رآني في عشيرته محضا
و إنّ ابن بدر في تميم مكركس
إذا سيم خسفا أو مشنّعة أغضى [٥]
فعش يا بن بدر ما بقيت كما أرى
كثير الخنا لا تسأم الذلّ و الغضّا
تعيب الرجال الصالحين و فعلهم
و تبذل بخلا دون ما نلته العرضا
و ترضى بما لا يرتضي الحرّ مثله
و ذو الحلم بالتّخييس و الذّلّ لا يرضى [٦]
قال: و قال أنس في حارثة بن بدر ينسبه إلى الخمر و الفجور:
أ حار بن بدر باكر الراح إنها
تنسّيك ما قدّمت في سالف الدّهر
[١] هذا الخبر ساقط من أ، ب.
[٢] الفهد: حيوان معروف، و به يضرب المثل في كثرة النوم.
[٣] الكرد، بالفتح: العنق، أو أصله. و معترمه: صلبه شديده.
[٤] يجرض: خفص.
[٥] المكركس، بفتح الكافين بينهما سكون: من ولدته الإماء.
[٦] التخييس: الإذلال.