الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٠ - إخوته
لبست الأخرى، و أنا مقاسمك ذلك، على أن اللّه جلّ و عزّ يعلم أن عمر أحوج إلى ذلك منك. فقال له: قد وفّرك اللّه يا أمير المؤمنين و أنا و اللّه راض. قال: أمّا و قد حلفت فإن ما وفّرته عليّ و لم تضيّق به معيشتنا آثر في نفسي من المدح، فامض مصاحبا؛ فخرج. فقال له أصحابه و فيهم الفرزدق: ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة؟ قال:
خرجت من عند رجل يقرّب الفقراء و يباعد الشعراء و أنا مع ذلك عنه راض ثم وضع رجله في غرز راحلته و أتى قومه. فقالوا له: ما صنع بك أمير المؤمنين أبا حرزة؟ فقال:
تركت لكم بالشأم حبل جماعة
أمين القوى مستحصد [١] العقد باقيا
وجدت رقى الشيطان لا تستفزّه
و قد كان شيطاني من الجنّ راقيا
هذه رواية عمر بن شبّة. و أما اليزيديّ فإنه قال في خبره: فقال له جرير يا أمير المؤمنين، فإنّي ابن سبيل. قال: لك ما لأبناء السبيل، زادك و نفقة تبلّغك/ و تبدّل راحلتك إن لم تحملك. فألحّ عليه؛ فقالت له بنو أميّة: يا أبا حزرة، مهلا عن أمير المؤمنين، و نحن نرضيك من أموالنا عنه، فخرج. و جمعت له بنو أميّة مالا عظيما؛ فما خرج من عند خليفة بأكثر ممّا خرج من عند عمر.
رؤيا أمه و هي حامل به
: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة قال:
رأت أمّ جرير و هي حامل به كأنها ولدت حبلا من شعر أسود، فلما سقط منها جعل ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه حتى فعل ذلك برجال كثير، فانتبهت فزعة فأوّلت الرّؤيا فقيل لها: تلدين غلاما شاعرا ذا شرّ و شدّة شكيمة و بلاء على الناس. فلما ولدته جريرا باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها. قال: و الجرير: الحبل.
قال إنه أشعر الناس لأنه فاخر بأبيه و هو دني ء
: قال إسحاق و قال الأصمعيّ حدّثني بلال بن جرير- أو حدّثت عنه- أنّ رجلا قال لجرير: من أشعر الناس؟ قال له: قم حتى أعرّفك الجواب؛ فأخذ بيده و جاء به إلى أبيه عطيّة و قد أخذ عنزا له فاعتقلها و جعل يمصّ ضرعها، فصاح به: اخرج يا أبت؛ فخرج شيخ دميم رثّ الهيئة و قد سال لبن العنز على لحيته؛ فقال: أ لا [٢] ترى هذا؟ قال نعم. قال: أو تعرفه؟ قال لا. هذا أبي، أ فتدري لم كان يشرب من ضرع العنز؟ قلت لا. قال: مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن. ثم قال: أشعر الناس/ من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعرا و قارعهم به فغلبهم جميعا.
إخوته
: حدّثني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عبد اللّه بن محمد بن موسى مولى بني هاشم قال حدّثني عمّارة بن عقيل عن المغيرة بن حجناء عن أبيه قال:
/ ولد جرير لسبعة أشهر؛ فكان الفرزدق يعيّره ذلك [٣]، و فيه يقول:
و أنت ابن صغرى لم تتمّ شهورها
[١] المستحصد: المستحكم.
[٢] في ح: «أ ترى هذا؟».
[٣] في الأصول: «يعيره بذلك» و الفصيح الكثير تعديه بنفسه حتى أنكر بعضهم تعديه بالباء.