الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٨١ - وصف شبة بن عقال و خالد بن صفوان له و للفرزدق و الأخطل
بعضها إلى بعض!- قال: و أنا جالس أسمع- فقال الوليد: و اللّه لهممت أن أخرجه على ظهرك إلى الناس. فقال جرير و هو قائم كما هو:
/
فإن تنهني عنه فسمعا و طاعة
و إلا فإنّي عرضة للمراجم [١]
قال فقال له الوليد: لا كثّر اللّه في الناس أمثالك. فقال له جرير: يا أمير المؤمنين، إنما أنا واحد قد سعرت [٢] الأمّة، فلو كثر أمثالي لأكلوا الناس أكلا. قال: فنظرت و اللّه إلى الوليد تبسّم حتى بدت ثناياه تعجّبا من جرير و جلده. قال: ثم أمره فجلس.
أخبرني ابن عمّار قال حدّثني عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثنا ابن النّطاح عن أبي عبيدة قال:
كان/ جرير عند الوليد و عديّ بن الرّقاع ينشده. فقال الوليد لجرير: كيف تسمع؟ قال: و من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: عديّ بن الرّقاع. قال: فإن شر الثياب الرّقاع، ثم قال جرير: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [٣]؛ فغضب الوليد و قال: يا ابن اللّخناء! ما بقى لك إلا أن [٤] تتناول كتاب اللّه! و اللّه ليركبنّك! يا غلام أوكفه [٥] حتى يركبه. فغمز عمر بن الوليد الغلام الذي أمره الوليد فأبطأ بالإكاف. فلما سكن غضب الوليد قام إليه عمر فكلّمه و طلب إليه و قال: هذا شاعر مضر و لسانها، فإن رأى أمير المؤمنين ألّا يغضّ منه! و لم يزل به حتى أعفاه، و قال له:
و اللّه لئن هجوته أو عرّضت به لأفعلنّ بك و لأفعلنّ!. فقال فيه تلك القصيدة التي يقول فيها:
أقصر فإن نزارا لن يفاخرها
فرع لئيم و أصل غير مغروس
و ذكر وقائع نزار في اليمن؛ فعلمنا أنّه عناه. و لم يجبه الآخر بشيء.
وصف شبة بن عقال و خالد بن صفوان له و للفرزدق و الأخطل
: حدّثني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن العتبيّ قال:
/ قال هشام بن عبد الملك لشبّة بن عقال و عنده جرير و الفرزدق و الأخطل، و هو يومئذ أمير أ لا تخبرني عن هؤلاء الذين قد مزّقوا أعراضهم و هتكوا أستارهم و أغروا بين عشائرهم في غير خير و لا برّ و لا نفع أيّهم أشعر؟ فقال شبّة: أما جرير فيغرف من بحر، و أما الفرزدق فينحت من صخر، و أما الأخطل فيجيد المدح و الفخر. فقال هشام:
ما فسّرت لنا شيئا نحصّله. فقال ما عندي غير ما قلت. فقال لخالد بن صفوان: صفهم لنا يا ابن الأهتم؛ فقال: أما أعظمهم فخرا، و أبعدهم ذكرا، و أحسنهم عذرا؛ و أسيرهم [٦] مثلا، و أقلّهم غزلا، و أحلاهم عللا؛ الطامي إذا زخر، و الحامي إذا زأر، و السامي إذا خطر؛ الذي إن هدر قال، و إن خطر صال؛ الفصيح اللسان، الطويل العنان؛ فالفرزدق. و أما أحسنهم نعتا، و أمدحهم بيتا، و أقلّهم فوتا؛ الذي إن هجا وضع، و إن مدح رفع، فالأخطل. و أما أغزرهم بحرا، و أرقّهم شعرا، و أهتكهم لعدوّه سترا؛ الأغرّ الأبلق، الذي أن طلب لم يسبق، و إن طلب لم يلحق؛
[١] يقال: فلان عرضة للكلام إذا كان كثيرا ما يعترضه كلام الناس و يقذف به. و المراجم: الكلم القبيحة.
[٢] سعرت الأمة، يريد أوقدت فيها الشر.
[٣] يريد التعريض بعاملة قبيلة عديّ بن الرقاع.
[٤] و يحتمل أن تكون العبارة: «... إلا أن تتأوّل كتاب اللّه».
[٥] أوكف الدابة: وضع عليها الإكاف، و هو البرذعة.
[٦] في الأصول: «و أشدّهم مثلا».