الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٩٧ - شعره في الرد على الأحنف و قد عاتبه على شربه الخمر
يذمّ أبو بحر أمورا يريدها
و يكرهها للأريحيّ المسوّد
فإن كنت عيّابا [١] فقل ما تريده
ودع عنك شربي لست فيه بأوحد [٢]
سأشربها صهباء كالمسك ريحها
و أشربها في كل ناد و مشهد
فنفسك فانصح يا بن قيس و خلّني
و رأيي فما رأيي برأي مفنّد [٣]
و قائلة يا حار هل أنت ممسك
عليك من التبذير قلت لها اقصدي
و لا تأمريني بالسّداد فإنني
رأيت الكثير المال غير مخلّد
و لا عيب لي إلّا اصطباحي قهوة
متى يمتزجها [٤] الماء في الكأس تزبد
/ معتّقة صهباء كالمسك ريحها
إذا هي فاحت [٥] أذهبت غلّة الصّدي
ألا إنما الرّشد المبين طريقه
خلاف الذي قد قلت إذ أنت مرشدي
سأشربها ما حجّ للّه راكب
مجاهرة وحدي و مع كل مسعد
و أسعد ندماني و أتبع شهوتي
و أبذل عفوا كلّ ما ملكت يدي
كذا العيش لا عيش ابن قيس و صحبه
من الشّرب للماء القراح المصرّد [٦]
فقال له الأحنف: حسبك، فإني أراك غير مقلع عن غيّك، و لن أعاتبك بعدها أبدا.
قال عاصم: ثم كان بعد ذلك بن الأحنف و حارثة كلام و خصومة، فافترقا عن مجلسهما متغاضبين، فبلغ حارثة أن الأحنف قال: أما و اللّه لو لا ما يعلم لقلت فيه ما هو أهله. فقال حارثة: و هل يقدر على أن يذمني بأكثر من الشراب و حبّي له؟ و ذلك أمر لست أعتذر منه إلى أحد، ثم قال في ذلك:
و كم لائم لي في الشراب زجرته
فقلت له دعني و ما «أنا شارب
فلست عن الصهباء ما عشت مقصرا
و إن لا مني فيها اللئام الأشائب [٧]
أ أترك لذّاتي و آتي هواكم
ألا ليس مثلي يا بن قيس يخالب [٨]
أنا الليث معدوّا عليه و عاديا
إذا سلّت البيض الرّقاق القواضب
فأنت [٩] حليم تزجر الناس عن هوى
نفوسهم جهلا و حلمك عازب
[١] أ: «عيارا».
[٢] أ، ب: «لست في ذا بأوحد».
[٣] المفند: المكذب.
[٤] أ، ب: «المرء».
[٥] ب: «هاجت». و البيت ساقط من أ.
[٦] القراح: الخالص لا يخالطه شيء. و المصرد: القليل دون الري.
[٧] الأشائب: جمع أشابه، و هم الأخلاط غير الصرحاء.
[٨] يخالب: يخدع.
[٩] أ، ب: «و أنت».